تستعيد مدينة درنة الليبية، التي عانت سابقًا من قبضة تنظيم “داعش” وآثاره المدمرة، حيويتها من خلال مشاريع عمرانية واسعة النطاق. تشهد المدينة تحولًا لافتًا مع اكتمال آلاف الوحدات السكنية الحديثة والمنشآت الحكومية الجديدة، في خطوة تهدف إلى طي صفحة الماضي المأساوي وتعزيز التعافي والاستقرار.

درنة: من ساحات الإعدام إلى مدينة المستقبل

بعد سنوات من دحر تنظيم “داعش” من المدينة الساحلية، ونحو ثلاث سنوات على الدمار الذي خلفه إعصار “دانيال”، تبدو درنة اليوم على موعد مع نهضة عمرانية شاملة. ينفذ “صندوق الإعمار” مشاريع ضخمة تهدف إلى إعادة تشكيل وجه المدينة، وإعادة الحياة إلى أجزاء واسعة منها تضررت بفعل الكوارث الطبيعية والتنظيمات الإرهابية.

وشهدت المدينة مؤخرًا افتتاح مشروع 2000 وحدة سكنية في حي السلام، بحضور شخصيات رفيعة المستوى، من بينهم القائد العام لـ”الجيش الوطني” المشير خليفة حفتر، ورئيس مجلس النواب عقيلة صالح، ورئيس الحكومة المكلفة من البرلمان أسامة حمّاد. أكد المشاركون في الافتتاح على التزام الدولة بتلبية احتياجات المواطنين وكرامتهم، مشددين على أن إعادة الإعمار تمثل واجبًا وطنيًا أساسيًا.

مسار الإعمار: جهود متواصلة لتجاوز تحديات الماضي

أكد المشير خليفة حفتر على أهمية مواصلة العمل في مسار الإعمار وتكثيف الجهود لتشمل مختلف المدن والقرى في ليبيا. وأشار إلى أن المعيار الحقيقي للتقييم هو الإنجاز على أرض الواقع، وهو ما بدأت درنة تشهده من مظاهر حياة واستقرار.
كانت درنة قد اتخذها تنظيم “داعش” معقلاً له في شرق ليبيا منذ عام 2014، حيث فرض سيطرته بالقوة، ونفذ إعدامات ميدانية بحق معارضيه، قبل أن يتمكن “الجيش الوطني” من تحريرها بالكامل في يونيو 2018.

أوضح حفتر أن هذه المناسبة تمثل لحظة طال انتظارها، تعود فيها البهجة إلى المدينة وتستعيد مظاهر الحياة والاستقرار، مقدمًا تهانيه على ما تم تحقيقه من إنجازات في مجالات الإعمار. وأشاد بدور القوات المسلحة والأجهزة الأمنية في تعزيز الأمن وتهيئة الظروف الملائمة لإنجاح مشاريع الإعمار.

شهد الاحتفالية حضور شخصيات عسكرية وسياسية بارزة، بالإضافة إلى ممثلي البعثات الدبلوماسية ومشايخ وأعيان وجموع من أهالي درنة. تحدث رئيس الحكومة أسامة حمّاد عن دور القيادة العامة ومجلس النواب في إرساء دعائم الاستقرار واستكمال المشاريع السكنية والتنموية، مؤكدًا أن هذه الجهود تتم بإرادة وطنية صادقة وتمويل وطني.

وصف حمّاد مدينة درنة بأنها أصبحت نموذجًا وطنيًا لمرحلة التعافي وإعادة البناء، بفضل النوايا الصادقة والإرادة الحقيقية والتكامل بين مؤسسات الدولة. بدوره، أوضح مدير صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا، بلقاسم حفتر، أن ما تحقق في درنة يمثل تحولًا حقيقيًا من مرحلة الوعود إلى مرحلة الإنجاز، مؤكدًا أن المشروع لا يقتصر على توفير وحدات سكنية بل يقدم نموذجًا عمرانيًا متكاملًا يعكس توجه الدولة نحو بناء مدن حديثة.

تحديات مضاعفة ونهضة عمرانية

عانى سكان درنة من تحديات مضاعفة، بدءًا من مواجهة التنظيمات الإرهابية وما صاحبها من نزوح وتنكيل، وصولًا إلى الكارثة الإنسانية التي خلفها إعصار “دانيال” في سبتمبر 2023، نتيجة لانهيار سدين. يجدر بالذكر أنه في فبراير 2021، أقيم معرض للكتاب في ساحة كانت تتخذها “داعش” سابقًا لتنفيذ عمليات الإعدام.

في خطوة تُعد “إضافة نوعية لقطاعي التعليم والصحة بالمدينة”، افتتح حمّاد مستشفى جامعة درنة العلاجي التعليمي بحي السلام، وسلمه رسميًا لجامعة درنة. اعتبر رئيس مجلس النواب عقيلة صالح أن النهضة العمرانية وتسليم الوحدات السكنية هو دليل قاطع على أن العمل الجاد والتعاون الصادق قادران على تطويع التحديات وتحويل الطموحات إلى واقع ملموس.

وشدد صالح على التزام الدولة بمسؤولياتها في توفير المسكن اللائق كحق طبيعي، بهدف تعزيز أمن الأسرة ورفع أعباء الإيجار عن كاهل المواطنين. وأضاف أن هذه الخطوة ليست نهاية المطاف، بل هي بداية لبرنامج إسكاني واسع سيشمل مدنًا وقرى ليبية أخرى، استجابة للحاجة المتزايدة للسكن الصحي، خاصة لفئة الشباب. أشاد صالح بالدور الفعال للشركات الليبية والمصرية والتركية وفرق العمل التي ساهمت في استكمال مشاريع كانت متوقفة.

من الجدير بالذكر أن تنظيم “داعش” كان قد سيطر أيضًا على مدينة سرت قبل أن تتمكن قوات “البنيان المرصوص” من تحريرها في ديسمبر 2016، ما يشير إلى التحديات الأمنية التي واجهتها ليبيا في السنوات الماضية.

تتجه الأنظار الآن نحو استكمال مشاريع الإعمار المتبقية في درنة، ومتابعة تأثير هذه المشاريع على حياة السكان المحليين. من المتوقع أن تستمر الجهود المبذولة لإعادة تأهيل البنية التحتية وترميم المباني المتضررة، مع التركيز على تحقيق تنمية مستدامة للمدينة. تبقى التحديات المتعلقة بالاستقرار السياسي والاقتصادي عاملاً حاسماً في تسريع وتيرة التعافي وإعادة البناء في جميع أنحاء ليبيا.

شاركها.