درنة الليبية: من رمز للإرهاب والدمار إلى واحة عمرانية جديدة
تشهد مدينة درنة الليبية تحولاً عمرانياً جذرياً، حيث تكتمل آلاف البنايات الحديثة والمنشآت الحكومية الجديدة، في مشهد يطوي ذاكرة دامية ونكبات أليمة. درنة، التي كانت معقلاً لتنظيم “داعش” ومسرحاً لإعدامات ميدانية، وعانت من دمار إعصار “دانيال”، تستعيد نبض الحياة من خلال مشاريع إعمار ضخمة.
افتُتح مؤخراً مشروع 2000 وحدة سكنية في حي السلام بدرنة، بحضور القائد العام للجيش الوطني، المشير خليفة حفتر، ورئيس مجلس النواب، عقيلة صالح، ورئيس الحكومة المكلفة من البرلمان، أسامة حمّاد، بالإضافة إلى عدد من أهالي المدينة. أكد حفتر في كلمته أن مسار البناء والإعمار “واجب أصيل على الدولة تجاه مواطنيها”، وأن تلبية احتياجاتهم وصون كرامتهم من صدارة أولويات الدولة. ودعا إلى تكثيف الجهود لتشمل كافة المدن الليبية، مشدداً على أن “معيار التقييم الحقيقي هو ما يتحقق من إنجاز على أرض الواقع”.
تجاوز عقود من المعاناة
فرض تنظيم “داعش” سيطرته على درنة منذ عام 2014، متحولاً إياها إلى معقل شرقي لعملياته، وفرض الجزية وتنفيذ الإعدامات العلنية بحق المعارضين. تطلب تحرير المدينة من قبضة التنظيم جهوداً عسكرية كبرى، تكللت بالنجاح بشكل كامل في 28 يونيو 2018. يمثل هذا الإنجاز بداية مرحلة جديدة للمدينة، تمثلت في استعادة الأمان وتلقي مشاريع إعادة الإعمار.
لم يقتصر ما عاناه سكان درنة على الإرهاب، بل امتد ليشمل كارثة طبيعية. ففي 9 سبتمبر 2023، ضرب إعصار “دانيال” المدينة، متسبباً في دمار هائل وانهيار سدين، مما أحدث كارثة إنسانية غير مسبوقة. يمثل المشهد الحالي إعادة بناء شاملة، تتجاوز ندوب الماضي الأليم.
مشاريع إعمار شاملة
تُعد الاحتفالات بافتتاح مشروع الوحدات السكنية درنة مثالاً حياً على مرحلة التعافي التي تشهدها المدينة. أشاد حفتر بالحضور الذي “يمثل لحظة طال انتظارها، تعود فيها البهجة إلى المدينة، وتستعيد فيها مظاهر الحياة والاستقرار”. كما أشاد بدور القوات المسلحة والأجهزة الأمنية في تعزيز الأمن وتهيئة الظروف الملائمة لمشاريع الإعمار.
تحدث رئيس الحكومة، أسامة حمّاد، عن دور القيادة العامة ومجلس النواب في “إرساء دعائم الاستقرار”، مشيراً إلى استمرار تدشين واستكمال المشاريع السكنية والتنموية في البلاد بـ”إرادة وطنية صادقة وتمويل وطني”. واعتبر حمّاد درنة “نموذجاً وطنياً لمرحلة التعافي وإعادة البناء، عبر النوايا الصادقة والإرادة الحقيقية، التي تحققت من خلال التكامل بين مؤسسات الدولة”.
من جانبه، أكد مدير صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا، بلقاسم حفتر، أن ما تحقق في درنة يمثل “تحولاً حقيقياً من مرحلة الوعود إلى مرحلة الإنجاز”. وأوضح أن المشروع يتجاوز توفير وحدات سكنية ليقدم “نموذجاً عمرانياً متكاملاً، يعكس توجه الدولة نحو بناء مدن حديثة، وفق معايير تخطيط متقدمة”.
تعاون وطني ودولي في إعادة بناء درنة
شهدت مدينة درنة أيضاً افتتاح مستشفى جامعة درنة العلاجي التعليمي، كإضافة نوعية لقطاعي التعليم والصحة. عدّ رئيس مجلس النواب، عقيلة صالح، النهضة العمرانية وتسليم الوحدات السكنية دليلاً قاطعاً على أن “العمل الجاد والتعاون الصادق قادران على تطويع التحديات، وتحويل الطموحات إلى واقع ملموس”.
أكد صالح أن تسليم الوحدات السكنية لسكان درنة “يعكس التزام الدولة بمسؤولياتها في توفير المسكن اللائق كحق طبيعي”. وأبرز أن هذه الخطوة “ليست نهاية المطاف، بل هي انطلاقة لبرنامج إسكاني واسع، سيشمل العديد من المدن والقرى الليبية”. وأشاد صالح بالدور الفعال للشركات الليبية والمصرية والتركية، والفرق الهندسية والعمالية، التي ساهمت في استكمال مشاريع كانت متوقفة.
وفي سياق مرتبط، يذكر أن مدينة سرت، التي سيطر عليها “داعش” أيضاً، قد تم تحريرها في ديسمبر 2016 على يد قوات “البنيان المرصوص”.
آفاق مستقبلية
تتجه الأنظار الآن نحو استكمال مراحل الإعمار المتبقية في درنة، والتأكد من أن هذه المشاريع الجديدة تلبي احتياجات السكان بشكل مستدام. تبقى التحديات كبيرة، لا سيما فيما يتعلق بضمان استقرار الخدمات الأساسية ومعالجة تراكمات عقود من الصعوبات. ستكون وتيرة استكمال المشاريع المستقبلية، ونجاحها في إعادة بناء مجتمع متماسك، المؤشر الأساسي لمدى نجاح جهود التعافي في المدينة.
