مضيق هرمز… بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل
يقع مضيق هرمز، الممر المائي الحيوي الذي يشكل شريان الطاقة العالمي، في قلب توترات جيوسياسية متصاعدة. وبينما تسعى واشنطن إلى تشكيل تحالف بحري لضمان حرية الملاحة، ترد طهران بتحذيرات من عواقب وخيمة لأي عمل عسكري. هذا الوضع المعقد يضع المضيق بين مفاوضات مشوبة بالتوتر وتصعيد عسكري قد يكون مؤجلاً، في ظل تضارب الأنباء حول التحركات العسكرية الأميركية وارتهان كل طرف لقدرته على الصمود.
تتداخل الأنباء حول سحب حاملة الطائرات الأميركية “جيرالد فورد” من المنطقة، حيث يراها البعض مؤشراً على خفض التصعيد، بينما يعتبرها آخرون مناورة سياسية أو نتيجة للالتزامات التشغيلية. ومع ذلك، يؤكد خبراء بأن القدرات العسكرية الأميركية المتبقية كافية لفرض الحصار البحري، نظراً لاحتياج هذه المهمة إلى الذكاء والاستطلاع والمروحيات بشكل أساسي، وليس بالضرورة إلى إظهار القوة المباشرة لحاملة طائرات ضخمة.
يعلق باتريك كلاوسون، مدير برنامج إيران في معهد واشنطن، بأن الانسحاب كان متوقعاً نظراً لطول فترة انتشار الحاملة، وأن طاقمها بحاجة للراحة. ولكنه يشدد على أن هذا لا يقلل من القدرة الأميركية على فرض الحصار، وأن القوات المتبقية “أكثر من كافية” لهذه المهمة. يكمن جوهر الأمر في أن الحصار لا يتطلب بالضرورة استعراضات للقوة الكبيرة، بل يكفي أن تقتنع شركات الشحن بأن عبور المضيق أصبح مخاطرة غير محسوبة، وأن تدرك إيران أن واشنطن قادرة على منع صادراتها ووارداتها البحرية.
حرب استنزاف تحت غطاء التهدئة
يرى كلاوسون أن التصعيد الحالي قد “انحسر” ليدخل الطرفان فيما يشبه حصاراً طويلاً، حيث لا تبدو واشنطن راغبة في استئناف حرب شاملة، ولا طهران مستعدة لتسوية سريعة. هذا الوضع يقضي على فرص المبادرات الوسطية، حيث يعتقد كل طرف أنه يمتلك القدرة على الصمود لفترة أطول. تراهن الولايات المتحدة على الضغط الاقتصادي والبحري والسياسي المتراكم لدفع إيران نحو المرونة في ملفها النووي، بينما تعتمد طهران على عامل الوقت، ومخاوف الأسواق العالمية من إغلاق مضيق هرمز، وتردد الشركاء الدوليين في الانخراط العسكري مع واشنطن.
لذلك، فإن السؤال المطروح ليس ما إذا كانت الحرب قد انتهت، بل ما إذا كانت قد دخلت شكلاً جديداً أقل ضجيجاً وأكثر إنهاكاً. عزز الرئيس الأميركي دونالد ترامب هذا الانطباع بتأكيده أن الحصار “أكثر فاعلية إلى حد ما من القصف”، وأن إدارته مستعدة لمواصلة هذه الاستراتيجية ما لم توافق إيران على عدم امتلاك سلاح نووي. من جانبه، يحذر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان من أن الحصار البحري سيزيد من الاضطرابات في الخليج، ولن يعزز الأمن الإقليمي، بل سيصبح مصدراً دائماً للتوتر.
الكونغرس ومهلة ترامب: حسابات معقدة
تبرز أهمية العامل الزمني، خاصة مع اقتراب نهاية المهلة المحددة في الأول من مايو. يضع هذا الموعد الرئيس ترامب أمام خيارات دقيقة، تتراوح بين تمديد محدود للمهلة، أو طلب غطاء من الكونغرس، أو استخدام الضغط العسكري قبل أن تصبح القيود القانونية والسياسية عبئاً على قراره. يمكن تفسير تسريب معلومات حول إحاطة عسكرية يقدمها قائد القيادة المركزية الأميركية للرئيس، بمشاركة رئيس هيئة الأركان المشتركة، في هذا السياق. هذه الإحاطة لا تعني بالضرورة قرب وقوع ضربة، لكنها تؤكد على رغبة البيت الأبيض في إبقاء الخيار العسكري مطروحاً، خاصة إذا لم يؤد الحصار إلى تنازلات إيرانية سريعة.
تشير التسريبات إلى خطط محتملة تشمل موجة ضربات “قصيرة وقوية” قد تستهدف بنى تحتية، أو عملية للسيطرة على أجزاء من مضيق هرمز لإعادة فتحه، أو حتى عملية خاصة لتأمين مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب. تخدم هذه الخيارات هدفاً واحداً، وهو كسر الجمود التفاوضي وإقناع طهران بأن انتظار انتهاء المهلة الأميركية ليس استراتيجية مضمونة.
“تحالف هرمز”: دعوة للمشاركة الدولية
إلى جانب الضغط العسكري، تتحرك واشنطن دبلوماسياً عبر الدعوة إلى تشكيل تحالف دولي بحري بهدف استعادة حرية الملاحة في مضيق هرمز. تسعى الإدارة الأميركية إلى مشاركة المعلومات والتنسيق الدبلوماسي، وربما المشاركة العسكرية من الدول الأخرى، مع قيام وزارة الخارجية بدور مركز العمليات الدبلوماسية، وتوفير القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) الوعي البحري اللحظي والتنسيق بين الجيوش الشريكة.
يكشف هذا التحالف عن مفارقة في موقف الرئيس ترامب، الذي ينتقد الأوروبيين وحلفاء الناتو لعدم مساعدتهم واشنطن، وفي الوقت نفسه يطلب المشاركة الدولية الآن. يعكس هذا الطلب حقيقة أن فتح مضيق هرمز وإدارته لا يمكن أن يكونا عبئاً أميركياً منفرداً دون تكاليف سياسية وعسكرية واقتصادية باهظة. لذلك، فإن التحالف ليس مجرد أداة بحرية، بل هو محاولة لتدويل الضغط على إيران وتوزيع المسؤولية عن أمن الطاقة، وإظهار أن طهران لا تواجه واشنطن وحدها، بل شبكة من المصالح العالمية المتضررة من تعطيل المضيق.
طهران: إدارة المضيق بدل فتحه
في المقابل، لا يبدو الخطاب الإيراني مستعداً للتراجع السريع. يتحدث المرشد الأعلى علي خامنئي عن “فصل جديد” في الخليج ومضيق هرمز، وعن مصير مشترك مع الجيران، لكنه يربط ذلك برفض الوجود الأميركي، معتبراً أن مكانه الطبيعي هو “في قاع مياهه”. أما رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، فيقدم “إدارة” إيران للمضيق كطريق إلى مستقبل خالٍ من التدخل الأميركي.
يستهدف هذا الخطاب جمهورين في آن واحد: داخلياً، يحاول النظام تقديم الحصار ليس كخنق لإيران، بل كفرصة لإعادة تعريف ميزان القوة في الخليج بعد الحرب. وخارجياً، يوجه رسالة لدول الخليج بأن أمنها يجب أن يُدار إقليمياً وليس أمريكياً. ومع ذلك، تصطدم هذه الرسالة بحقيقة أن تعطيل الملاحة وفرض رسوم أو شروط على العبور يهدد مصالح هذه الدول نفسها، ويزيد اعتمادها على قوة خارجية قادرة على حماية الممرات.
الأخطر، بحسب محللين، هو تهديد قائد القوات الجوفضائية في الحرس الثوري، مجيد موسوي، بأن أي هجوم أميركي، حتى لو كان محدوداً، سيقابل بضربات طويلة ومؤلمة ضد المواقع الأميركية في المنطقة، مع إشارة مباشرة إلى السفن الحربية. هذا يعني أن ضربة أميركية “قصيرة” قد لا تبقى كذلك إذا قررت طهران الرد عبر قواعد أو سفن أو وكلاء أو موجات صاروخية جديدة. الخلاصة أن المشهد لا يعكس تراجعاً كاملاً للتصعيد العسكري، ولا اندفاعاً حتمياً إلى الحرب الشاملة، بل هو أقرب إلى إدارة تصعيد محسوبة ضمن عملية تفاوضية بالقوة.
تضغط واشنطن بحصار طويل، وتلوح بضربة موجزة، وتبحث عن تحالف دولي، بينما تراهن طهران على الصمود، وتحول المضيق إلى ورقة سياسية، وتلوح بتوسيع نطاق الألم إذا عادت الضربات. قد يستمر هذا الوضع لفترة طويلة، ولكنه قد “ينفجر في وقت قصير”. فكل طرف يعتقد أنه يمتلك قدرة تحمل أكبر، وهذا تحديداً ما يجعل الأزمة خطرة؛ فالحروب لا تنفجر فقط عندما يقرر طرف الهجوم، بل عندما يسيء طرفان تقدير حدود صبر الآخر. يظل مضيق هرمز في انتظار قرار حاسم، قد يأتي عبر التفاوض أو عبر تصعيد مفاجئ.
