استمرارا لحرب “إسناد إيران” التي أطلقها "حزب الله"، تصاعدت التساؤلات حول فعالية هذا الدعم العسكري والسياسي، وتداعياته المتزايدة على الداخل اللبناني. فبعد أكثر من شهر على بدء العمليات بصواريخ استهدفت إسرائيل، بدأت الأثمان الداخلية تلوح في الأفق، مع توقعات باستغلال "حزب الله" لنتائج هذه الحرب في موازين القوى المحلية.

«حزب الله» رابح بانتظار الحسم: ساحة ضغط موازية؟

في تحليل لمدى نجاح "حزب الله" في مساندة إيران، يرى البعض أنه نجح في تشتيت إسرائيل وفتح جبهة ضغط، لكنه لم يصل إلى مستوى الحسم الاستراتيجي الذي يغير موازين المعركة جذرياً. وينتظر المراقبون تطورات أكبر قد تحدد الاتجاه النهائي للصراع. من جهته، يرى اللواء المتقاعد عبد الرحمن شحيتلي أن "حزب الله" "رابح حتى الآن"، على الرغم من الخسائر الكبيرة التي لحقت ببيئته، لأن إسرائيل لم تتمكن من تحقيق هدفها الأساسي المتمثل في القضاء على الحزب أو إنهاء قدراته.

وأضاف شحيتلي أن "إسرائيل نفسها تقرّ بعدم حسم المعركة حتى الآن". ويلفت إلى أن إيران استفادت من فتح جبهة الجنوب، حيث أدى انخراط "حزب الله" إلى تشتيت القدرات العسكرية الإسرائيلية. وأوضح أن القوة التي كان يمكن أن تجهزها إسرائيل كاحتياط لدعم الولايات المتحدة في حال تنفيذ إنزالات عسكرية في إيران، أصبحت الآن منشغلة في لبنان، مما يحول لبنان إلى "ساحة ضغط موازية تخفف العبء عن إيران".

يأتي ذلك في ظل تقارير عن تدمير ممنهج لقرى حدودية ومنازلها في جنوب لبنان بفعل الجيش الإسرائيلي، فضلاً عن نزوح أكثر من مليون شخص من منازلهم، غالبيتهم من معاقل "حزب الله" في الجنوب وضاحية بيروت الجنوبية.

حرب استنزاف طويلة ومكلفة: الأثمان الداخلية والتصعيد

من جانبه، يوضح الدكتور عماد سلامة، رئيس دائرة الدراسات السياسية والدولية في الجامعة اللبنانية– الأميركية، أن "الرابح والخاسر في هذه الحرب لا يُقاسان فقط بالخسائر المباشرة؛ بل بقدرة كل طرف على الاستمرار". ويرى سلامة أن "إيران و(حزب الله) تكبّدا خسائر عسكرية وبنيوية يصعب تعويضها، ما قد يهدد بتفكك تدريجي لمحور (المقاومة)"، على الرغم من التكلفة العالية التي دفعتها الولايات المتحدة ودول الخليج. وفي المقابل، حققت إسرائيل "تقدماً استراتيجياً في إضعاف هذا المحور، ولكنها لا تزال تواجه حرب استنزاف طويلة ومكلفة".

ومع إقراره بنجاح "حزب الله" في تشتيت الجهد الإسرائيلي ورفع تكلفة الحرب، يؤكد سلامة أن "حزب الله" "استنزف قدراته، وعرّض بيئته لضغوط غير مسبوقة". ويضيف: "داخلياً، سينعكس ذلك بتراجع هامش نفوذه وتصاعد التوترات؛ خصوصاً مع تحميله مسؤولية الانخراط في حرب مفتوحة. ويظل من الصعب جداً فصل الحزب عن إيران؛ إذ إنهما جزء من بنية واحدة عقائدياً وعسكرياً ضمن منظومة (ولاية الفقيه) و(الحرس الثوري)".

دور «حزب الله» في المفاوضات: فصل المسارات؟

في حين لم يبدأ مسار المفاوضات بشكل جدي، وبينما تطالب إيران بضم الجبهة اللبنانية إلى أي اتفاق، وهو ما ترفضه إسرائيل، شدد شحيتلي على "ضرورة فصل المسار اللبناني عن المسار الإقليمي". ويعتبر أن "قرار وقف الحرب على لبنان اليوم ليس بيد (حزب الله)؛ بل بيد إيران". ويربط شحيتلي بين ربط الجبهات وعدم تدخل الدولة اللبنانية في المفاوضات، مؤكداً أن "المصلحة اللبنانية تقتضي أن تقوم الدولة نفسها بإدارة المفاوضات، والسعي إلى وقف إطلاق النار بما يخدم المصلحة اللبنانية". ويضيف: "أي وقف لإطلاق النار من دون انسحاب إسرائيلي وعودة النازحين سيبقى مجرد هدنة، وليس نهاية للحرب وعودة إلى ما قبل عام 2000".

ويتحدث سلامة عن نفس القضية، مؤكداً أنه "في حال استمرار الحرب دون تسوية، قد يكون الخاسر الأكبر هو الدولة اللبنانية نفسها التي تواجه خطر الانهيار الكامل، تحت وطأة الحرب مع إسرائيل".

احتلال جديد وأثمان داخلية: مخاوف من تصعيد محلي

تؤكد مصادر وزارية غياب أي مؤشرات لفتح باب التفاوض مع إسرائيل، التي لم تتجاوب مع مبادرة رئيس الجمهورية جوزيف عون حول "التفاوض المباشر". وتلفت المصادر إلى أن التصريحات الإسرائيلية "لا تعكس أي نية للحل القريب"، مع وجود "خوف من تنفيذ الوعود بتوسيع الاحتلال". وتشير إلى أن تكلفة "إسناد إيران" قد تكون "أكبر حتى من تكلفة (إسناد غزة) التي انتهت باحتلال إسرائيل لخمس نقاط كنا نسعى لتحريرها وتأمين تكلفة إعادة الإعمار"، محذرة من أن لبنان قد يصبح"اليوم يريد التفاوض على كامل جنوب الليطاني، والتعويض عن خسائر مضاعفة".

في المقابل، لا تنفي المصادر قلق بعض الأطراف في لبنان من محاولة "حزب الله" توظيف نتائج هذه الحرب داخلياً. وتقول المصادر: "في حالتي الربح والخسارة ستكون هناك ردّة فعل من قبل (حزب الله) على الداخل اللبناني. لذا، الأهم هو المحافظة على الوحدة الداخلية، والتعويل يبقى على الفريق العاقل في (الثنائي الشيعي)، أي رئيس البرلمان نبيه بري الذي نعتقد أنه لن يسمح بذلك".

ويظل مستقبل الوضع يعتمد على تطورات الحرب الإقليمية، وقدرة الأطراف المعنية على التوصل إلى تسوية، مع استمرار التخوف من تصعيد عسكري وأمني داخلي في لبنان، خاصة مع استمرار النزوح والدمار في الجنوب.

شاركها.