تباطؤ سوق الإسكان في بريطانيا تحت وطأة القلق من الحرب وتكاليف الاقتراض
شهد سوق الإسكان في المملكة المتحدة تباطؤاً ملحوظاً خلال شهر أبريل، حيث سجلت أسعار المنازل انخفاضاً للشهر الثاني على التوالي. يعود هذا التراجع بشكل أساسي إلى تراجع مستويات الطلب من المشترين، مدفوعاً بالمخاوف المتزايدة بشأن التداعيات الاقتصادية المحتملة للأحداث الجيوسياسية، بالتحديد الحرب في إيران. وقد أدت هذه العوامل مجتمعة إلى تسجيل أضعف وتيرة نمو سنوي لأسعار المنازل منذ نهاية عام 2023.
وفقاً لبيانات صادرة عن شركة «هاليفاكس» المتخصصة في مجال الرهن العقاري، انخفض مؤشر أسعار المنازل التابع لها بنسبة 0.1 في المائة خلال شهر أبريل، ليتبع بذلك انخفاضاً بنسبة 0.5 في المائة شهده شهر مارس. أما على الصعيد السنوي، فلم تتجاوز الزيادة نسبة 0.4 في المائة، مقارنة بنسبة 0.8 في المائة المسجلة في الشهر السابق، مما يشير إلى تباطؤ واضح في زخم سوق الإسكان.
تداعيات الحرب وارتفاع تكاليف الاقتراض على سوق العقارات البريطاني
أوضحت أماندا برايدن، رئيسة قسم الرهون العقارية في «هاليفاكس»، أن التطورات العالمية الأخيرة قد ألقت بظلال من عدم اليقين على التوقعات الاقتصادية، وذلك بعد بداية قوية نسبيًا للعام. وأشارت إلى أن ارتفاع أسعار الطاقة قد عزز توقعات التضخم، مما دفع الأسواق إلى إعادة تقييم مسار أسعار الفائدة. وقد انعكس هذا الوضع بالفعل على ارتفاع تكاليف الاقتراض بالنسبة للكثير من المشترين المحتملين، مما حد من قدرتهم على الاستثمار في العقارات.
يأتي هذا التباطؤ في سوق الإسكان في بريطانيا في الوقت الذي أبقى فيه بنك إنجلترا أسعار الفائدة عند مستوى 3.75 في المائة الأسبوع الماضي، مع تحذيرات متزايدة بشأن مخاطر استمرار ارتفاع التضخم جراء التداعيات الجيوسياسية. ويتوقع المستثمرون حاليًا حدوث زيادتين إضافيتين لأسعار الفائدة، كل منهما بمقدار ربع نقطة مئوية، بحلول نهاية عام 2026، مع احتمالية ضئيلة لحدوث زيادة ثالثة.
من جهته، أشار آشلي ويب، كبير الاقتصاديين البريطانيين في «كابيتال إيكونوميكس»، إلى أن هذه الزيادات في تكاليف الاقتراض من المرجح أن تشكل ضغطاً إضافياً على سوق الإسكان وتحد من النمو المتوقع لأسعار العقارات. وأضاف أن هذا الضغط قد يتفاقم في حال تصاعدت الضغوط السياسية على رئيس الوزراء، مما يزيد من حالة عدم الاستقرار الاقتصادي.
لا تقتصر مؤشرات ضعف قطاع العقارات البريطاني على بيانات أسعار المنازل، بل امتدت لتشمل قطاع البناء أيضًا. فقد أشارت بيانات «ستاندرد آند بورز غلوبال» إلى تفاقم التراجع في نشاط البناء، وكان السبب الرئيسي هو الانخفاض الحاد في بناء المساكن الجديدة. كما سجلت هيئة المساحين المعتمدين (RICS) أكبر تراجع في طلبات المشترين الجدد منذ أغسطس 2023 خلال شهر مارس، مما يؤكد انخفاض مستوى الثقة في السوق.
على النقيض من هذه التوقعات، قدمت شركة «نايشن وايد» للتمويل العقاري قراءة مختلفة الأسبوع الماضي، حيث أفادت بارتفاع أسعار المنازل بنسبة 0.4 في المائة في أبريل، مما رفع معدل التضخم السنوي لأسعار المساكن إلى 3 في المائة. ورغم هذا الارتفاع، لا تزال الصورة العامة لسوق الإسكان البريطاني تشير إلى تباطؤ ملحوظ.
تأثير النتائج الانتخابية على الجنيه الإسترليني
وفي سياق متصل، شهد سوق العملات تقلبات ملحوظة، حيث ارتفع الجنيه الإسترليني مقابل الدولار واليورو يوم الجمعة. جاء هذا الارتفاع مدعوماً بردود فعل الأسواق على نتائج الانتخابات المحلية في المملكة المتحدة، والتي أشارت إلى خسائر كبيرة لحزب العمال. دفعت هذه النتائج المستثمرين إلى إعادة تقييم المشهد السياسي في البلاد، مع تركيز الاهتمام على مستقبل قيادة الحزب.
كان حزب العمال، الذي يتزعمه كير ستارمر، قد مني بخسائر ملحوظة في عدد من الدوائر الانتخابية التي أعلنت نتائجها خلال الليل. وفي التعاملات الصباحية، ارتفع الجنيه بنسبة 0.21 في المائة ليصل إلى 1.3578 دولار، فيما استقر تقريباً أمام اليورو عند 86.47 بنس. وعلى الجانب الآخر، سجل مؤشر الدولار الأميركي تراجعاً طفيفاً مقابل معظم العملات الرئيسية، متأثراً بتجدد التوترات بين الولايات المتحدة وإيران، على الرغم من تأكيد الرئيس الأميركي دونالد ترمب على استمرار وقف إطلاق النار.
تواصل الأسواق متابعة تداعيات التطورات السياسية في بريطانيا. وكان المحللون قد توقعوا في الأصل نتائج ضعيفة لحزب العمال، مما أثار تساؤلات حول ما إذا كان ستارمر سيواجه تحديات داخلية على قيادة الحزب. وقال موهيت كومار، الخبير الاقتصادي في «جيفريز»، إن هناك ضغوطًا متزايدة داخل الحزب للمطالبة بوضع جدول زمني لتغيير القيادة، مضيفًا أن أي بديل محتمل قد يكون أقرب إلى اليسار، مما قد يفرض تحديات إضافية على الاقتصاد.
أما في أسواق الدين، فقد ارتفعت السندات الحكومية البريطانية بشكل طفيف، بينما تراجع العائد على السندات لأجل 10 سنوات بمقدار 2.5 نقطة أساس ليصل إلى 4.92 في المائة. وفي السياق السياسي، حذر بعض نواب حزب العمال من أن خسارة عدد كبير من مقاعد المجالس المحلية قد يؤدي إلى تصاعد الضغوط على ستارمر، سواء من حيث الدعوات للاستقالة أو المطالبة بوضع جدول زمني لرحيله.
مع ذلك، أكد وزير الدفاع البريطاني جون هيلي أن رئيس الوزراء لا يزال قادرًا على تغيير المسار السياسي، رافضًا الدعوات التي تطالب بتحديد جدول زمني لرحيله. وسيظل الوضع السياسي والاقتصادي في بريطانيا والتوترات الجيوسياسية عوامل رئيسية سيتم رصدها عن كثب في الأسابيع والأشهر القادمة، مع تركيز خاص على تأثيرها المستمر على سوق الإسكان والجنيه الإسترليني.
