تدخلت اليابان بقوة في أسواق الصرف الأجنبي، حيث أنفقت ما يصل إلى 35 مليار دولار لدعم الين الياباني المتعثر، وهو ما يمثل أكبر تدخل لها منذ نحو عامين. وأشار البنك المركزي الياباني إلى حجم الإنفاق المحتمل، وفقًا لبيانات حديثة، بينما يحاول مسؤولون يابانيون كبح جماح هجمات المضاربة على العملة الهشة. يأتي هذا التحرك في وقت تتسع فيه فجوة أسعار الفائدة بين الولايات المتحدة واليابان، مما يزيد الضغط على الين.
وفقًا لبيانات البنك المركزي الياباني الصادرة يوم الجمعة، ربما أنفقت طوكيو ما يصل إلى 5.48 تريليون ين، أي ما يعادل 35 مليار دولار أميركي، لدعم عملتها. جاء هذا الإنفاق في أعقاب تقارير أفادت بتدخل السلطات اليابانية يوم الخميس لوقف موجة بيع حادة للين. توقع بنك اليابان لأوضاع سوق المال، قبل أول يوم عمل بعد انتهاء فترة العطلات الرسمية، صافي تدفقات خارجة للأموال بقيمة 9.48 تريليون ين. وتجدر الإشارة إلى أن كبرى شركات سوق المال كانت تتوقع انخفاضًا يتراوح بين 4 تريليونات و 4.5 تريليون ين فقط، مما يشير إلى أن حجم التدخل الياباني كان أكبر من المتوقع.
وتتضمن عمليات شراء الين قيام بنك اليابان بامتصاص الين من الأسواق، وبالتالي فإن أي نقص كبير في الأموال يمكن أن يشير إلى حجم الإنفاق المرتبط بأي تدخل. وقد تدخلت اليابان لدعم الين مقابل الدولار الأميركي يوم الخميس، وفقاً لمصادر مطلعة، في أحدث محاولة لوقف التراجع الذي تفاقم بفعل ارتفاع أسعار النفط المرتبط بالتوترات الجيوسياسية. وكان آخر تدخل حكومي ياباني قد تم في يوليو 2024، حيث أنفقت طوكيو نحو 36.8 مليار دولار لتعزيز الين بعد انخفاضه إلى أدنى مستوى له في 38 عاماً عند 161.96 ين للدولار.
اليابان تتدخل بـ 35 مليار دولار لحماية الين
شهدت الأسواق المالية قفزة حادة في قيمة الين الياباني يوم الجمعة، وذلك بعد تحذير رسمي من استعداد طوكيو للعودة إلى الأسواق، وبعد ساعات فقط من ارتفاع قيمة العملة الهشة نتيجة عمليات الشراء الرسمية. أثارت تصريحات رئيس المسؤولين عن السياسة الخارجية في اليابان، أتسوكي ميمورا، والارتفاع المفاجئ في قيمة الين تكهنات بين تجار العملات بجولة أخرى من التدخل الياباني. بعد استقراره طوال الليلة السابقة، انخفض الدولار صباح الجمعة في لندن، متراجعاً بنسبة تصل إلى 0.66 في المائة، ليسجل أدنى مستوى له خلال الجلسة عند 155.60 مقابل 157.12 في وقت سابق، مما أثار تكهنات بتدخلات إضافية بين متداولي العملات المتوترين أصلاً.
لم يتضح على الفور سبب تحرك يوم الجمعة، لكن المحللين أشاروا إلى أن السوق كان متوتراً بعد أحداث يوم الخميس. وقال جيريمي ستريتش، رئيس استراتيجية عملات مجموعة العشر في “سي آي بي سي كابيتال ماركتس”: “السيولة شحيحة، والناس متوترون بعد ما حدث يوم الخميس، لذا هناك قابلية لتقلبات في سعر صرف الدولار مقابل الين”.
يأتي تصعيد طوكيو لخطابها في ظل استمرار ضغوط الين نتيجة اتساع فجوة أسعار الفائدة بين الولايات المتحدة واليابان، وقبل فترة عطلة يخشى المسؤولون أن تؤدي إلى هجمات مضاربة. قال أتسوكي ميمورا للصحافيين رداً على سؤال حول إمكانية تدخل طوكيو في سوق العملات: “لن أعلق على ما سنفعله مستقبلاً. لكنني أؤكد لكم أن عطلة الأسبوع الذهبي في اليابان قد بدأت للتو”.
جاءت تصريحات ميمورا عقب تحذير وزيرة المالية اليابانية ساتسوكي كاتاياما، يوم الخميس، من اقتراب اتخاذ “إجراء حاسم”. كما حثت الصحافيين على إبقاء هواتفهم الذكية في متناول أيديهم طوال فترة العطلة، في إشارة واضحة إلى استعداد طوكيو للتدخل وردع المضاربين عن استغلال شح السيولة للضغط على الين نحو الانخفاض.
وبعد ساعات، تدخلت اليابان في السوق لدعم الين، في أول تدخل رسمي لها في سوق العملات منذ ما يقرب من عامين، وفقاً لمصدرين مطلعين على الأمر لوكالة “رويترز”، مما أدى إلى ارتفاع قيمة العملة اليابانية بنسبة تصل إلى 3 في المائة. وامتنع ميمورا عن التعليق على ما إذا كانت اليابان قد تدخلت في سوق العملات يوم الخميس.
وعند سؤاله عما إذا كانت تحركات العملات لا تزال في طور المضاربة، قال ميمورا: “لم يطرأ أي تغيير على وجهة نظري بشأن الأسواق”. وأكد ميمورا أن اليابان لا تزال على “اتصالات وثيقة للغاية” مع الولايات المتحدة، مضيفاً أن البلدين يتفقان على إمكانية اتخاذ إجراءات بناءً على تطورات السوق.
الاستثمار الأميركي وتعاون اقتصادي
في سياق منفصل، وقعت اليابان اتفاقية قرض بقيمة 2.2 مليار دولار لأول دفعة من المشاريع ضمن تعهدها الاستثماري الأميركي البالغ 550 مليار دولار. تُدشّن هذه الاتفاقية تمويلاً مرتبطاً باتفاقية تجارية خفضت الرسوم الجمركية الأميركية على الواردات اليابانية إلى 15 في المائة. وأعلن بنك اليابان للتعاون الدولي، المملوك للدولة، يوم الجمعة، أنه سيُقدّم نحو ثلث التمويل البالغ 2.2 مليار دولار، بينما ستُقدّم البنوك التجارية الباقي.
وقالت مصادر مطلعة على الأمر إن حصة البنوك التجارية ستُقدّمها مجموعة “ميتسوبيشي يو إف جيه” المالية، ومجموعة “سوميتومو ميتسوي” المالية، ومجموعة “ميزوهو” المالية، وستكون مضمونة من قِبل شركة “نيبون للتأمين على الصادرات والاستثمار” المملوكة للدولة.
وأفادت الأنباء بأن اليابان وقعت اتفاقية القرض ضمن المشاريع الثلاثة الأولى في أميركا، بقيمة إجمالية تبلغ 36 مليار دولار، التي تضم منشأة لتصدير النفط في تكساس، ومصنعاً للألماس في جورجيا، ومحطة لتوليد الطاقة تعمل بالغاز الطبيعي في أوهايو. وبموجب الاتفاقية مع الولايات المتحدة، سيتم تقسيم التدفقات النقدية الحرة المتاحة من الاستثمارات بالتساوي بين البلدين حتى يتم تحديد نسبة معينة، وبعدها ستذهب 90 في المائة منها إلى الولايات المتحدة.
تستمر الأسواق المالية في مراقبة تطورات سعر صرف الين الياباني، خاصة مع اقتراب نهاية فترة العطلات في اليابان. ويبقى السؤال حول ما إذا كانت التدخلات المتكررة ستكون كافية لوقف التراجع المستمر للين، أو ما إذا كانت هناك حاجة لسياسات أكثر قوة من قبل البنك المركزي الياباني. كما أن التطورات في العلاقة الاقتصادية مع الولايات المتحدة، لا سيما ضمن خطط الاستثمار المشتركة، ستلعب دورًا هامًا في استقرار الاقتصاد الياباني على المدى الطويل.
