كشف أعضاء في المجلس الوطني الاتحادي عن ستة تحديات رئيسية تواجه إتقان الأطفال المواطنين للغة العربية، داعين إلى تبني برامج ثقافية وطنية تستهدف الأسر لتعزيز مكانة اللغة الأم. وشدد المجلس، في جلسته الأخيرة، على الخطورة التي تتعرض لها اللغة العربية، مؤكدين أن ضعف المهارات اللغوية لدى الأطفال قد يؤثر على مجالات البحث العلمي والتطوير.
وشهدت المناقشات تسليط الضوء على دور الأسرة، واعتماد الحضانات على مناهج أجنبية، وتأثير عمل الأمهات على قضاء أطفالهن وقتاً مع مربيات غير ناطقات بالعربية. كما أشار الأعضاء إلى هيمنة اللغات الأجنبية على التواصل اليومي، ووجود أسر لا يتحدث فيها الوالدان باللغة العربية، مما يعيق تنشئة الطفل في بيئة داعمة للغته الأم. هذه التحديات مجتمعة تضع اللغة العربية في موقف حرج، مما يستدعي تدخلاً استراتيجياً لضمان استمراريتها وقوتها.
تحديات اللغة العربية ومقترحات الحلول
حذّر النائب الأول لرئيس المجلس الوطني الاتحادي، الدكتور طارق حميد الطاير، من أن اللغة العربية تواجه “خطراً كبيراً” مع تراجع قدرة بعض الأبناء على التحدث بها أو حتى قراءة آية بسيطة أو إجادة مخارج الحروف وقواعد النحو. وأكد الطاير أهمية أن تكون اللغة الأم هي أساس البحث العلمي والتطوير، لضمان فهم أعمق وتواصل أكثر فعالية.
وأبرزت عضو المجلس، عائشة خميس الظنحاني، الدور المحوري للأسرة في تعليم اللغة العربية، مستشهدة بتقرير اللجنة المختصة الذي أظهر أن حوالي 30% أو أقل من الأسر الإماراتية تقرأ لأطفالها. وأشارت إلى أن 66% من الأمهات عاملات، وغالبيتهن يتركن أبناءهن لدى مربيات أجنبيات، مما يقلل من فرص تعرض الأطفال للغة العربية الأصيلة. وتساءلت عن دور وزارة الثقافة في توعية الأسر، وخاصة العاملات، بأهمية اللغة العربية.
في سياق متصل، أشارت عضو المجلس، نجلاء الشامسي، إلى أن مراكز تحفيظ القرآن، في السابق، كانت بمثابة منظومة تربوية متكاملة تغرس القيم وتعزز الهوية وتقوّم اللسان. واقترحت الشامسي إحياء المراكز الصيفية بأساليب تعليمية حديثة، لا تقتصر على تحفيظ القرآن، بل تمتد لتعليم مهارات اللغة العربية، وفنون الإلقاء، والقراءة الواعية، وربط النص القرآني بحياة الطالب. كما دعت إلى توظيف التقنيات الحديثة لجذب الجيل الجديد دون المساس بجوهر الرسالة التربوية.
من جانبها، لفتت عضو المجلس، منى خليفة حماد، الانتباه إلى وجود أسر لا يتحدث فيها الوالدان باللغة العربية، مما يسبب صعوبات لأبنائها في تعلمها. وطالبت بتبني برامج ومبادرات ثقافية وطنية ضمن استراتيجية الهوية الوطنية، تستهدف بشكل خاص أولياء الأمور، سواء كانوا ناطقين بالعربية أو غير ناطقين بها، لضمان أن تكون اللغة العربية أساساً للهوية الوطنية.
تأثير البيئة المحيطة والمجتمع
أكدت عضو المجلس، حشيمة العفاري، أن دور تنشئة الطفل انتقل من الأسر الممتدة إلى الشاشات والمربيات غير الناطقات بالعربية. وأشارت إلى أن اللغة الإنجليزية أصبحت متطلباً أساسياً للدراسات العليا والعمل، مما يضعف استخدام اللغة العربية. ودعت إلى وضع منظومة تساعد على الترابط الأسري وتفعيل المجالس المجتمعية التي تديرها الجدات والأمهات لترسيخ اللغة العربية والهوية الوطنية.
وبينت عضو المجلس، ناعمة الشرهان، أنه على الرغم من جهود الدولة لتعزيز اللغة العربية، فإنها تواجه تحديات، أبرزها تزاحم اللغات الأخرى مع الانفتاح العالمي والحاجة إلى التواصل ونقل المعرفة. وأكدت على أهمية مرحلة الطفولة المبكرة، حيث تشكل السنوات الخمس الأولى أساس التكوين اللغوي والثقافي للطفل. وحذرت من أن بدء الطفل حياته بلغة غير العربية يؤثر على ترسيخ لغته الأم، داعية إلى إعادة التوازن لضمان أن تكون العربية هي اللغة الأولى في التلقي والتعبير.
في المقابل، أشارت وكيل الوزارة المساعد لقطاع الهوية الوطنية والفنون في وزارة الثقافة، شذى أمين الملا، إلى إجراء استبيان ووضع خريطة طريق ومؤشرات مجتمعية وتعليمية، بناءً على استراتيجية الهوية الوطنية الإماراتية ومحورها اللغة العربية. وأوضحت أنه تم وضع العديد من البرامج الموجهة، بما في ذلك مبادرة التعليم الثقافي، التي استهدفت أكثر من 60 ألف طالب خلال العامين الماضيين.
جهود وزارة الأسرة في التنشئة
من جانبها، أفادت وكيل الوزارة المساعد لقطاع التنمية في وزارة الأسرة، حصة عبدالرحمن تهلك، بأن الوزارة تولي أهمية قصوى لدور الأسرة في التنشئة، ضمن هدفها الاستراتيجي “أسر قوية تنهض بالوطن”. ويتضمن هذا الهدف برامج تُعنى بالحياة الأسرية، وترسيخ الهوية الإماراتية، والقيم الأخلاقية، واللغة العربية، باعتبار الأسرة الحاضنة الأولى لبناء السلوك والانتماء الوطني.
وأوضحت تهلك أن الوزارة، عند طرح برامج للأطفال دون سن الثامنة، تحرص على تقديم برامج موازية لتدريب وتأهيل الوالدين. وتعد اللغة العربية أحد أهم أركان البرامج المعنية بالتربية الإيجابية، نظراً لتأثيرها المباشر في تنمية الطفل وحصيلته اللغوية. كما تقدم الوزارة برامج لإعداد المقبلين على الزواج، تتضمن محاور التنشئة والهوية الوطنية، بهدف تعزيز الحوار ونقل الخبرات والموروث المجتمعي والثقافي.
تتواصل الجهود لتقييم تأثير البرامج المنفذة، وتحديد مدى فعاليتها في معالجة التحديات المطروحة، مع التركيز على الخطوات المستقبلية لضمان تحقيق الأهداف المرجوة لتعزيز مكانة اللغة العربية لدى الأجيال الناشئة.
