حذّر مختصون في الصحة النفسية والإعلام الرقمي من مخاطر الأخبار المضللة التي تنتشر عبر منصات التواصل الاجتماعي، خاصة في أوقات الأزمات والتصعيدات الإقليمية. وأشاروا إلى أن التعرض المستمر لهذه المعلومات قد يؤدي إلى حالة شديدة من الضغط النفسي والتوتر، تُعرف بـ«التسمم الإخباري»، مما يُبقي الدماغ في حالة استنفار دائم ويؤثر سلباً على الصحة العامة.

وأكد هؤلاء المختصون أن بعض الحسابات والجهات الخارجية تتعمد تضخيم الأحداث وبث مشاعر الخوف والقلق بين أفراد المجتمع، بينما تكون الحياة الطبيعية مستمرة، مما يزيد من التوتر النفسي. وفي المقابل، شددوا على ضرورة الاعتماد على المصادر الرسمية الموثوقة للحصول على المعلومات، لما لها من دور في تهدئة المخاوف وتعزيز الشعور بالطمأنينة.

مخاطر الأخبار المضللة على الصحة النفسية

أوضح استشاري الطب النفسي، الدكتور رياض خضير، أن الأخبار المضللة القادمة من حسابات خارجية تهدف إلى إثارة القلق، وتؤدي إلى اضطرابات نفسية وحالة من التوتر والضيق قد تؤثر على النوم والمزاج والأداء اليومي. وأشار إلى أن الدماغ يتعامل مع الأخبار السلبية المتكررة كتهديد مباشر، مما ينشط نظام الإنذار ويزيد من إفراز هرمونات التوتر مثل الكورتيزول.

وأضاف الدكتور خضير أن متابعة الأخبار قد تتحول إلى سلوك قهري، حيث يفقد الشخص القدرة على التوقف رغم إدراكه للتأثير السلبي. ومن العلامات التحذيرية لذلك التحقق المستمر من الأخبار، والقلق عند الابتعاد عنها، واضطرابات النوم، وإهمال المسؤوليات اليومية.

وأكد أن التعرض المستمر لهذا النوع من القلق يمكن أن يخلف آثاراً نفسية وجسدية طويلة المدى، تشمل القلق المزمن، وسرعة الانفعال، وانخفاض المزاج، والإرهاق العاطفي، إضافة إلى أعراض جسدية كالصداع وتوتر العضلات. كما نبه إلى أن «التسمم الإخباري» يمكن أن يفاقم حالات نفسية أكثر حدة مثل الاكتئاب أو نوبات الهلع، نتيجة الشعور بالعجز والخوف وفقدان السيطرة.

وأشار إلى أن الأطفال، والنساء، وكبار السن، والموظفين هم فئات أكثر عرضة للتأثر بقلق الأخبار، نظراً لعدم اكتمال فهمهم للأحداث، أو الضغوط الأسرية، أو مخاوف الاستقرار الوظيفي، أو العزلة. وللتخفيف من هذه الآثار، شدد على أهمية الدعم الأسري والمجتمعي، والحفاظ على الروتين اليومي، وتعزيز الحوار، والاعتدال في متابعة الأخبار والاعتماد على مصادر موثوقة.

«القلق الظرفي» وتأثير وسائل التواصل الاجتماعي

من جانبه، أكد أخصائي الطب النفسي، الدكتور شاجو جورج، أن المتابعة القهرية للأخبار المضللة تسبب صداعاً وتوتراً عضلياً وتسارعاً في ضربات القلب. ورصد زيادة ملحوظة في حالات القلق المرتبطة بمتابعة الأخبار المضللة مؤخراً، ووصفها بأنها «قلق ظرفي» ناتج عن كثافة التعرض للأخبار غير الموثوقة.

وحدد الدكتور جورج خمس علامات سلوكية رئيسية تدل على «تسمم الأخبار المضللة»: التحقق القهري من الأخبار، صعوبة التوقف عن المتابعة رغم الضيق، زيادة الانفعال بعد قراءة الأخبار، إهمال المسؤوليات بسبب الانشغال المستمر بالمستجدات، والتفكير الكارثي. بالإضافة إلى أعراض جسدية مثل الصداع وتوتر العضلات.

ولفت إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي تساهم في تضخيم هذا القلق عبر آليات مثل التكرار الخوارزمي للمحتوى المقلق، والتدفق المستمر وغير المفلتر للمعلومات، و«العدوى العاطفية» التي ينتقل بها الخوف بين المستخدمين، وانتشار الأخبار غير الدقيقة. ورغم ذلك، شدد على أن التعامل مع الأخبار يتطلب نهجاً متوازناً وليس انقطاعاً كاملاً، من خلال تحديد أوقات محدودة للمتابعة، والاعتماد على المصادر الرسمية، وتجنب متابعة الأخبار قبل النوم، وممارسة «التباعد المعرفي».

الآثار النفسية والعصبية للأخبار المضللة

أوضحت الطبيبة النفسية، الدكتورة برجس سلطانة، أن الأخبار غير الدقيقة تُصاغ بأسلوب يستهدف تنشيط «مركز الخوف» في الدماغ، مثل اللوزة الدماغية، مما يجعلها تبدو أكثر إلحاحاً وقابلية للتصديق. وحذرت من أن هذا النوع من المحتوى يبقي الجهاز العصبي في حالة استنفار دائم، ويعزز الشعور بعدم الأمان ويفاقم القلق.

وأضافت الدكتورة سلطانة أن استمرار التعرض للأخبار المضللة يؤدي إلى ارتفاع مستمر في مستويات الكورتيزول، مما ينعكس سلباً على جودة النوم، وأنماط الأكل، وقد يمتد إلى اضطرابات في التمثيل الغذائي. ولفتت إلى أن تداول المعلومات المضللة قد يؤدي إلى إثارة الذعر، وخلق توترات مجتمعية، ودفع الأفراد لاتخاذ قرارات متسرعة، أو حالات من الهلع الجماعي.

وشددت على أهمية اتباع تعليمات الجهات الرسمية، لما لها من دور محوري في حماية الصحة النفسية للمجتمع وتجنب الذعر. وذكرت أن الرسائل الواضحة والدقيقة من الجهات الرسمية تساعد الدماغ على المعالجة العقلانية وتمكين الأفراد من اتخاذ قرارات سليمة. وكحلول، دعت إلى «الصيام عن أخبار مواقع التواصل المضللة»، ومتابعة المستجدات من مصادرها الرسمية، مع تجنب التنقل بين مصادر متعددة، والحفاظ على الروتين اليومي والتركيز على التفاصيل الحياتية البسيطة لاستعادة التوازن النفسي.

الاعتماد على المصادر الرسمية كخط دفاع

شددت الأخصائية النفسية، حصة الرئيس، على ضرورة الاعتماد على القنوات والمنصات الرسمية في الدولة، والالتزام بتعليمات الجهات الرسمية كمصدر أساسي للمعلومات، معتبرة ذلك خط الدفاع الأول لتعزيز الشعور بالطمأنينة على المستوى الفردي والاجتماعي. وأكدت أن التعرض المستمر للأخبار المضللة يضع الجسم في حالة استنفار مزمن، وينعكس نفسياً في صورة قلق مستمر، وتوتر، وصعوبة في التركيز، واضطرابات في النوم، وشعور بالتشاؤم وفقدان الإحساس بالأمان.

وبينت أن القلق المزمن يؤثر بشكل مباشر على كفاءة الجهاز المناعي، حيث يستنزف طاقة الجسم ويضعف قدرته على مقاومة الأمراض، مما يجعل الشخص أكثر عرضة للإصابة بالعدوى أو يحتاج لفترات أطول للتعافي، فضلاً عن الشعور بالإرهاق وضعف الحيوية. وأكدت أن اضطرابات النوم والتوتر المستمر هما من أبرز العوامل التي تضعف المناعة.

وفي ختام تصريحها، شددت على أن التأثير غير المباشر للضغط النفسي المستمر قد يكون عميقاً وطويل الأمد، مما يستدعي تعزيز الوعي بأساليب التعامل الصحي مع الأخبار للحفاظ على التوازن النفسي والجسدي. وأعادت التأكيد على أن وضوح الرسائل الرسمية ودقتها يساهمان في تهدئة القلق وتعزيز الطمأنينة، خاصة في ظل ما تؤكده الجهات المعنية من جاهزية عالية وقدرات متقدمة. وحذرت بشدة من الحسابات الخارجية التي تبث الخوف والقلق في نفوس المجتمع الإماراتي.

شاركها.