ألغت محكمة استئناف الفجيرة حكماً بسجن سائق استأجر مركبة وتجاوز السرعة المحددة، لثبوت أنه تصرف بدافع حماية نفسه من خطر وشيك، مما انتفت معه مسؤوليته الجنائية. هذا القرار القضائي يلقي الضوء على مبدأ الضرورة في القانون، حيث يُعفى المتهم من المسؤولية إذا ارتكب فعلاً مخالفاً للقانون لتجنب ضرر جسيم.

وتعطي هذه القضية مثالاً لتطبيق قانون العقوبات في حالات الاستثنائية. فقد برّأت المحكمة المتهم الذي اتّهم بقيادة مركبة مستأجرة بطريقة تعرض حياة الآخرين للخطر، وذلك بعد ثبوت أن تصرفاته كانت نتيجة مطاردة شرسة تعرض لها من قبل مالك مكتب التأجير وشخصين آخرين. ويشمل الحكم المستأنف أيضاً مالك المكتب ومساعديه.

تفاصيل القضية والتحقيقات الأولية

بدأت وقائع القضية عندما استأجر المتهم مركبة لمدة يومين، ولكنه لم يقم بإعادتها إلى مكتب التأجير بعد انتهاء المدة المحددة. وخلال الشهر التالي، تراكمت على المركبة مخالفات مرورية بقيمة تقارب 30 ألف درهم، معظمها في مدينة خورفكان. بالإضافة إلى ذلك، أقر المتهم بإتلاف جهاز التتبع الخاص بالمركبة بعد يوم واحد من استئجارها، وتبلغ قيمة هذا الجهاز حوالي 1000 درهم.

وبحسب التقارير، فإن مالك مكتب التأجير وشخصين انطلقا إلى مدينة خورفكان بحثاً عن المركبة، وقدموا بلاغاً للشرطة المحلية. وفي طريق عودتهم إلى دبي، تعرفوا على المركبة المستأجرة وهي متوقفة في محطة وقود بالفجيرة. توقفوا خلفها، واتصل أحدهم بالشرطة، ثم توجه للتحدث مع المتهم ومحاولة استلام مفتاح المركبة. إلا أن المتهم قام بالرجوع بالمركبة وصدم سيارتهم، ثم لاذ بالفرار.

المطاردة والاشتباك

عقب محاولة الفرار، لاحقه مالك المكتب ومرافقيه على الطريق العام لمدة عشر دقائق تقريباً، انطلاقاً من محطة الوقود. وعندما دخل المتهم إلى طريق جبلي، قام المطاردون بإيقاف مركبتهم خلفه لإغلاق الطريق عليه، في انتظار وصول الشرطة. خلال هذه الفترة، كان المتهم قد قام بإتلاف جهاز التتبع، وتجاوز السرعة، وقطع الإشارات الحمراء.

وتفصيلاً، أقر المتهم بأنه استأجر المركبة ولم يقم بإعادتها، كما أنه لم يستجب لمحاولات التواصل من قبل أصحاب المكتب. وأضاف أنه فوجئ بمركبة تتوقف خلفه عند محطة الوقود، ونزل منها شخص يطالبه بإطفاء المحرك وتسليم المفاتيح. وبسبب خوفه منهم، قاد المركبة بسرعة عالية محاولاً التفلت منهم، خاصة وأنهم كانوا يلاحقونه باستمرار. وانتهى به المطاف بدخول طريق مسدود، لتنحصر مركبة المتهم بين الصخور.

التقارير الطبية والأساس القانوني للحكم

وفقاً لما ورد في الأوراق، ذكر المتهم أن الملاحقين قاموا بكسر النوافذ الأمامية للمركبة، وفتح الأبواب، والتعدي عليه بالضرب. وأثبتت استمارة الفحص الطبي إصابة المتهم بعدة كدمات وجروح، منها جرح في زاوية العين اليمنى، وكدمة في الكتف الأيسر، وتورم في اليد اليمنى، وخدوش في الركبتين والرقبة وأعلى الصدر، مع الاشتباه بوجود ارتجاج في المخ.

في المقابل، أوضحت المحكمة أن لها السلطة الكاملة في تحصيل فهم الواقع في الدعوى وتقدير الأدلة. يمكن للقاضي أن يأخذ باعتراف المتهم إذا اطمأن إلى صحته وصدوره عن إرادة حرة، حتى لو عدل عنه المتهم لاحقاً، ولا يوجد رقيب عليه في ذلك طالما لم يعتمد على واقعة بلا سند. يملك قاضي المواد الجزائية سلطة واسعة في إثبات الجرائم أو نفيها، وله حرية كاملة في تكوين عقيدته من الأدلة المتاحة، واستخلاص الصورة الصحيحة لواقعة الدعوى.

الحكم القضائي وتداعياته

انتهت المحكمة إلى ثبوت الجرائم بحق صاحب مكتب التأجير ومرافقيه، استناداً إلى الأدلة والاعترافات الواردة في الأوراق. أما بالنسبة للمتهم المستأجر، فقد رأت المحكمة أن ما قام به كان في سبيل وقاية نفسه من خطر وشيك، ولم يكن لإرادته دخل في وقوع هذا الخطر، ولم يكن بإمكانه منع الخطر بوسيلة أخرى. وبناءً على ذلك، انتفت مسؤوليته الجزائية.

قضت المحكمة بإلغاء الحكم المستأنف فيما يتعلق بإدانة المتهم المستأجر، وقضت مجدداً ببراءته. وفي موضوع الاستئناف، تم إلغاء عقوبة الحبس المقضي بها على صاحب المكتب، وقضت المحكمة مجدداً بتغريمه مبلغ 6000 درهم عن التهم المنسوبة إليه. وأيدت المحكمة الحكم المستأنف بحق مرافقيه، المتهمين الآخرين، وقضت بتغريم كل منهما 3000 درهم، مع إلزامهم بالرسوم القضائية.

ومن المتوقع أن يؤثر هذا الحكم على ممارسات شركات التأجير، خاصة فيما يتعلق بكيفية استعادة المركبات والتفاعل مع المستأجرين الذين يتأخرون في التسليم. كما يسلط الضوء على أهمية التزام جميع الأطراف بقواعد المرور والتعامل الحضاري لتجنب مثل هذه القضايا.

شاركها.