الإمارات تتعزز توافر الأدوية وتكسر الاحتكار بآلية جديدة
أظهرت جولة ميدانية على عدد من الصيدليات في الإمارات العربية المتحدة، بعد مرور أكثر من شهرين على تفعيل مؤسسة الإمارات للدواء لآلية جديدة تهدف إلى كسر احتكار المنتجات الطبية، عودة وظهور أصناف دوائية جديدة بعد سنوات من الغياب. وشملت الأدوية التي بدأ توافرها منتجات لعلاج أمراض مزمنة وحيوية كالقلب والسكري وضغط الدم، بالإضافة إلى مسكنات وأدوية أخرى ضرورية كالقطرات المخصصة لعلاج الجلوكوما، مما يعكس تحسناً ملحوظاً في توفير خيارات علاجية للمرضى.
تأتي هذه المؤشرات لتجسيد أهداف القرار الذي أطلقته المؤسسة، في مبادرة هي الأولى من نوعها، لإنهاء احتكار المنتجات الطبية، وذلك تنفيذاً للمرسوم بقانون اتحادي رقم (38) لسنة 2024 بشأن المنتجات الطبية ومهنة الصيدلة والمنشآت الصيدلانية. ويهدف القرار إلى تعزيز الأمن الدوائي، وضمان استدامة توافر المنتجات الطبية، وزيادة مرونة سلاسل الإمداد، وتلبية احتياجات المرضى والمنشآت الصحية، وتوسيع الخيارات العلاجية المتاحة.
تعدد الوكلاء يعزز توافر الأدوية وديناميكيات السوق
صرح أنس الجمال، مدير قسم الصيدلة في إحدى المجموعات الطبية بدبي، بأن قرار تفعيل آلية تعيين أكثر من وكيل لكل منتج طبي في الدولة يُعد خطوة محورية واستراتيجية بعيدة المدى. وتهدف هذه الخطوة إلى تحقيق الأمن الدوائي عبر توفير الدواء ومنع احتكاره، بحيث يتوافر المنتج عبر وكلاء متعددين، مما يعزز استمرارية الإمداد ويقلل من مخاطر انقطاعه، خاصة في أوقات الأزمات. وأوضح الجمال أن النتائج الإيجابية بدأت تتجلى فعلياً، حيث رصد عودة أصناف دوائية للسوق كانت مقطوعة لسنوات، تشمل فئات علاجية حيوية كأدوية السكري، وبعض أنواع قطرات العين للجلوكوما، وأدوية ضغط الدم التي هي في مراحل التسجيل النهائية.
وأكد الجمال أن الآلية التقنية للقرار تضمن منح أكثر من وكيل لأي دواء مسجل في الدولة، سواء كان محلياً أو مستورداً. وهذا يضمن أنه في حال تعثر أحد الوكلاء في توريد الشحنات، فإن الوكيل الآخر يكون قادراً على تغطية احتياجات السوق فوراً، مما يقلل من فترات النقص ويضمن استمرارية العلاج للمرضى.
بالتزامن مع تحسن توافر الأدوية، أظهرت الجولة الميدانية مؤشرات على تحركات في مستويات الأسعار. فقد سجلت بعض الأدوية، خصوصاً تلك المرتبطة بعلاجات المعدة، انخفاضاً بنحو 20%. وعزا متخصصون في القطاع الصيدلاني هذه التغيرات إلى سياسات الشركات في إعادة تسعير منتجاتها، بالتوازي مع بدء ملامح تطبيق آلية تعدد الوكلاء. وأكدوا أن الأثر الفعلي للقرار لا يزال في مرحلة التدرج، وأن انعكاساته الأوضح مرشحة للظهور خلال فترة تتراوح بين ثلاثة وستة أشهر، مع استكمال مراجعة العقود مع شركات الأدوية ودخول الآلية حيز التطبيق الكامل.
تعزيز التنافسية وتوسيع الخيارات العلاجية
أكدت الدكتورة رانيا الخاني، مديرة إحدى الصيدليات في دبي، أن سوق الدواء في الإمارات يمر بمرحلة انتقالية نوعية بفضل تفعيل آلية تعيين أكثر من وكيل لكل منتج طبي. وأوضحت أن هذا التوجه لم يسهم فقط في تعزيز التنافسية، بل أدى مباشرة إلى توافر أصناف وابتكارات دوائية لم تكن موجودة سابقاً في الدولة. وأشارت إلى أن هذا التحسن يرتبط بإجراءات تنظيمية تم تطبيقها مؤخراً، مما شجع العديد من شركات الأدوية والوكلاء على توفير هذه الأصناف المهمة والأساسية.
وأضافت الدكتورة الخاني أن العلاجات والأدوية الجديدة التي رصد وجودها في السوق المحلية، ولم تكن متوافرة سابقاً، تشمل أدوية لأمراض القلب والسكري، بالإضافة إلى مسكنات الألم المتطورة. وهذا التنوع يعكس تحسناً واضحاً في وفرة الخيارات العلاجية المتاحة للمرضى، مما يدعم استجابة السوق لاحتياجاتهم، خصوصاً في الأمراض المزمنة.
وأشارت إلى أن الإمارات ترسخ مكانتها كدولة رائدة عالمياً في قطاع الدواء من خلال سياساتها الاستباقية وسرعة اعتماد العلاجات المبتكرة. وضربت مثالاً باعتماد منتج “أورفورغليبرون” (Orforglipron) كعلاج فموي مبتكر للسمنة، لتكون الإمارات ثاني دولة في العالم توافق تسويقياً عليه. كما ذكرت اعتماد دواء “يورنيفي®️” (EURneffy) كبخاخ أدرينالين أنفي لعلاج حالات فرط الحساسية الشديدة، لتكون الإمارات أول دولة في المنطقة توافق عليه. هذه القرارات تعكس حرص الدولة على إتاحة أحدث العلاجات العالمية للمرضى في وقت قياسي وتعزيز حضورها في خارطة الابتكار الدوائي.
آلية خفض الأسعار وتوقعات السوق
أوضح الصيدلي أحمد جابر أن الانخفاض الملحوظ في أسعار بعض الأدوية، خاصة تلك التي يتم توفيرها عبر وكلاء متعددين، يعود بشكل أساسي إلى سياسات الشركات في إعادة تسعير منتجاتها. وأشار إلى أن هذه التغييرات بدأت تظهر تدريجياً مع توجه الدولة نحو تطبيق آلية تعيين أكثر من وكيل للدواء نفسه. وأضاف أن جزءاً من تخفيض الأسعار الحالي هو نتيجة مباشرة لاستعداد الشركات والوكلاء للتنافس في السوق، خاصة بعد وضوح توجه الدولة بفتح المجال أمام أكثر من وكيل، مما دفع البعض إلى تعديل أسعارهم استباقياً لتعزيز موقعهم التنافسي.
وتوقع أن يظهر الأثر الملموس لقرار تعدد الوكلاء في أسعار الأدوية بشكل أوضح خلال فترة تتراوح بين ثلاثة وستة أشهر. وذكر أن نسبة الانخفاض المتوقعة قد تصل إلى 15%، مع الأخذ في الاعتبار أن تطبيق القرار لا يزال في مراحله الأولى، وهذه الفترة ضرورية لمراجعة العقود مع شركات الأدوية المحلية والعالمية. وأكد أن وجود منافسة بين الوكلاء، حتى قبل التطبيق الكامل للقرار، يخلق بيئة سعرية أكثر مرونة ويؤدي تدريجياً إلى تحسين الأسعار وتوفير خيارات أوسع أمام المريض، مما يصب في مصلحة المستهلك والمنظومة الصحية بشكل عام.
أشاد جابر بالجهود الحكومية في تنظيم قطاع الدواء وتعزيز توافره، مؤكداً أن دولة الإمارات أثبتت رؤية متقدمة في إدارة ملف الأدوية، سواء من حيث ضمان توافرها أو تحسين جودتها. وأشار إلى أن القرارات الأخيرة تعكس اهتماماً حقيقياً بالمريض وبضمان استدامة الإمداد الدوائي، مما ينعكس على كفاءة القطاع الصحي ككل ويعزز الثقة بالمنظومة الصحية في الدولة.
تستمر الإمارات في تعزيز مكانتها كمركز رائد في قطاع الأدوية، ومن المتوقع أن تتكشف الآثار الكاملة لآلية تعدد الوكلاء خلال الأشهر القادمة. وسيكون من المهم مراقبة مدى استمرار انخفاض الأسعار واتساع نطاق توافر الأدوية الأساسية والمبتكرة، مع استكمال تطبيق المرسوم بقانون الاتحادي بشأن المنتجات الطبية ومهنة الصيدلة.
