الفسيفساء تحكي قصة الأطلال في الجناح السعودي بفينيسيا
يستضيف الجناح السعودي في بينالي فينيسيا، النسخة الـ60، عملاً فنياً مبهراً للفنانة دانة عورتاني، يستكشف تاريخ التدمير الذي طال المواقع الأثرية والتاريخية في المنطقة العربية. باستخدام آلاف القطع الطينية المشكلة والمخبوزة تحت شمس الرياض، والمزينة بألوان طبيعية مستوحاة من الحضارات القديمة، تقدم عورتاني خريطة فنية فريدة لمعالم اختفت بفعل الحروب والصراعات. يهدف هذا العمل، الذي يتجاوز مجرد التمثيل الجغرافي، إلى توثيق خسارة التراث الجمعي العربي وإعادة إحياء الذكرى عبر فن الفسيفساء.
تواصل الفنانة دانة عورتاني في أعمالها تسليط الضوء على موجات الهدم التي طالت مواقع تاريخية وثقافية مهمة في مختلف البلدان العربية. سبق لها أن قدمت أعمالاً بارزة، مثل تلك التي وثقت جزءاً من تاريخ المسجد الكبير في حلب بسوريا في بينالي الرياض للفن المعاصر، وعملها عن بلاطات حمام السمرة في غزة والذي عُرض في بينالي بخارى للفن المعاصر. وتستمر في هذا المعرض في فينيسيا، بتوثيق ثلاثة وعشرين موقعاً تاريخياً ذا قيمة ثقافية ومادية استثنائية، يمثل كل منها فصلاً من تاريخ مشترك متعرض للتهديد.
التوثيق بالطين والألوان: سجل للحاضر والمستقبل
تركز أعمال عورتاني على التسجيل الدؤوب لما يُفقد يومياً بسبب الحروب والدمار ومحاولات الإزالة، مؤكدة على قناعة بوجوب توثيق ما نخسره. وتشير إلى الأبحاث المكثفة التي تجريها لمعرفة المزيد عن المباني والأماكن الأثرية المتزايدة في التدهور. يتزامن عملها الفني مع تصاعد أعمال العنف في المنطقة، مما يجعله أشبه بتسجيل للتاريخ لحظة بلحظة وتعليق مباشر على الأحداث الجارية. هذا الارتباط بالواقع الملتهب قد يعزز من تأثير الجناح، حيث يصبح تدمير التراث حدثاً آنياً، وعمل دانة هو تعليق فوري على هذه الخسائر.
البداية من الرياض: حرفية وإلهام
في استوديوه الخاص بالعاصمة الرياض، بدأت دانة عورتاني العمل على القطعة الفنية الضخمة التي تمثل السعودية في بينالي فينيسيا. تحت أشعة الشمس الحارقة، انهمك العمال والحرفيون في تشكيل قوالب الطين وفقاً لخريطة دقيقة أعدتها الفنانة. تتناقش عورتاني مع الحرفيين حول تفاصيل القطع وطريقة تركيبها، مؤكدة على خبرة كل منهم في هذا النوع من الأعمال.
الأطلال: تاريخ مشترك وليس مجرد حزن
تستحضر أعمالها في فينيسيا عنواناً مستوحى من شعر أبي نواس، «عسى ألا تجف دموعك يا من بكى على الأطلال». ومع استمرارها في تناول موضوع الأطلال، الذي يمثل آثاراً عربية تحولت إلى دمار، ترى عورتاني هذه الأطلال بمنظور مختلف. فهي لا تعتبرها مجرد سبب للحزن، بل تحملها في أعمالها وتواصل أبحاثها حول الآثار المستهدفة والمدمرة. تحدثت الفنانة عن مناطق أثرية، مساجد، كنائس، وحتى معابد يهودية تحولت إلى دمار نتيجة لهجمات لا تراعي قيمة الماضي والتاريخ والثقافة.
على الرغم من اقتباسها جملة أبي نواس، تختلف الفنانة معه في نظرته لمن يقف على الأطلال. تعتقد أن الأطلال تمثل تاريخاً حياً عاش وعاصر ثقافات وشعوباً، وأنها قد تبقى بعد رحيل البشر. وتوضح: «أعتقد أن هذه الحجارة تحمل تاريخها وتروي قصص الناس الذين عاشوا هنا لمئات السنين. وقد تبقى هذه الحجارة بعد رحيل الأحياء». ولهذا السبب، استخدمت الجملة خارج سياقها لإبراز وجهة نظرها.
سجادة الفسيفساء: أرضية للتاريخ المشترك
في فينيسيا، يمتد عمل عورتاني ليغطي كامل مساحة الجناح السعودي، ليشكل سجادة واسعة من الفسيفساء المصنوعة من قوالب الطوب الملون. ينقسم العمل إلى مواضيع بصرية متنوعة، مستوحاة جميعها من الشرق الأوسط، حيث تعرضت هذه المواقع للدمار. خلال جولة خاصة في الاستوديو، أوضحت الفنانة أن كل الموتيفات المستخدمة مأخوذة من أماكن مختلفة من منطقة الشرق الأوسط، وأنها جميعاً تعرضت للدمار.
في بحثها، قامت بتوثيق تفاصيل المواقع المدمرة وما حصل لها، ثم استخلصت من كل موقع الأشكال والزهور الفنية المميزة. وتشير إلى أن هذه الأشكال والتصاميم مختلفة في أصلها وتاريخها، فبعضها يعود إلى الحقبة الرومانية والبيزنطية وغيرها. وتؤكد: «الأشكال والتصاميم كثيرة، ولكني أحرص في كل تصميم أقدمه أن يكون هناك إشارة إلى مكان تم تدميره». تُعرض كافة المعلومات المتعلقة بالمواقع الأصلية على أحد جدران الجناح.
موقع أثري متخيل: تجربة غامرة
يوفر موقع الجناح السعودي في بينالي فينيسيا فرصة هائلة لعرض العمل، فالمساحة واسعة ومجردة. واجهت عورتاني خيارات متعددة لتقديم عملها، لكنها تفادت الطريقة التقليدية للعرض، معتبرة أن طريقة العرض نفسها يمكن أن تحمل رسالة «لتحرير الآثار من النظرة الاستعمارية».
لجأت إلى تصميم يجذب الزائر للانغماس فيه، حيث يمشي عبر ممرات محددة بين قطع فسيفساء متجاورة مرفوعة على قواعد خشبية، دون حدود مصطنعة. وتقول: «أردنا أن يشعر الجمهور وهو يسير بين هذه العناصر وكأنه جزء من العمل. إنه أشبه بموقع أثري متخيل. لذا فإن الأرضية بأكملها مغطاة بالطين».
تصف العمل بأنه «تركيب أرضي غامر» يضم مزيجاً من التصاميم المختلفة. وتوضح: «لم أرغب في وضع خريطة توضح مصدر كل نمط؛ لأن الكثير من هذه الأنماط موجود في مواقع متعددة. إنه تراث مشترك، ولا يمكن القول ببساطة: هذا نمط فلسطيني، وهذا نمط سوري، وهذا نمط لبناني. جميعها متشابهة إلى حد كبير؛ فتراثنا مشترك ومهم لنا جميعاً».
وتشرح الأنماط البصرية والتصميمات الهندسية المستخدمة في العمل: «هناك نمطان من غزة؛ أحدهما فسيفساء البريج، والآخر من دير القديس بطرس. وهناك أيضاً مجموعة من الأشكال من قصر بيت الدين في لبنان. كما توجد شجرة نخيل من دير في سوريا. عند دخول المبنى، سيجد الزائر لوحة جدارية تفصل المفاهيم الرئيسية، وقائمة بجميع المواقع التي أشرت إليها. معظمها أماكن سكنية كالمساكن أو غرف المعيشة، لكن الكثير منها مواقع مسيحية: أديرة، كنائس، كنيسة المهد، كنيسة جميع الأمم، وبيت لحم والقدس، التي تعرضت لأضرار تاريخية؛ لأن الفسيفساء تُستخدم بكثرة في هذه الأماكن».
الجمال الهش: انعكاس لحالة الأطلال
من مدخل القاعة، تتكشف القطع بجمال هادئ وهش. يتبع الزائر النقوش المختلفة، ويتعرف على انتماء بعضها لمكان معين. بعض القطع تبدو متشققة، وكأنها قادمة للتو من موقعها الحقيقي حيث الدمار والتكسر. هذا التشققات والتصدعات جاءت عن قصد من الفنانة لتعكس حالة المواقع الأثرية المتضررة. في خلطة الطين، استبعدت إضافة القش الذي يعمل على تماسك القطع، وتركتها تتأثر بالعوامل الطبيعية. ترى أن حدوث التشققات أمر طبيعي ويخدم الفكرة. وبالمثل، عند استخدام الألوان الطبيعية للرسم على قطع الطوب، لم تحاول تثبيتها بمواد اصطناعية. تقول: «لن يبقى بهذا اللون الواضح؛ لأن الألوان طبيعية ويمتصها الطين، لكنني أيضاً لم أرغب في وضع طلاء مانع للتسرب أو أي شيء اصطناعي من هذا القبيل عليه».
الفسيفساء: جسر بين الشرق والغرب
اختارت الفنانة اللجوء إلى فن الفسيفساء لتجسيد الصلات بين الشرق والغرب. وتشير إلى أن أول ظهور للفسيفساء كان في بلاد ما بين النهرين، العراق، ثم انتقل إلى الإمبراطورية الرومانية وازدهر في إيطاليا، حيث استُخدم بكثرة في أماكن العبادة المسيحية. وعندما وصل البيزنطيون إلى فلسطين وسوريا ولبنان، أعادوا هذا الفن إلى المنطقة، وهذا ما يفسر استلهام معظم الأنماط من الفسيفساء التقليدية لهذه الحقبة. يبدو استخدام الفسيفساء في فينيسيا، وهي مدينة تزخر بكنائسها ذات النماذج الرائعة من هذا الفن، أمراً منطقياً ومتناغماً.
تضافر الأيدي: حكمة في العمل الجماعي
استغرق العمل أكثر من 30 ألف ساعة، بمشاركة اثنين وثلاثين حرفياً من الرياض وخارجها. تؤمن الفنانة بالتعاون مع الحرفيين المتخصصين، وتعتبره أمراً أساسياً في فلسفتها الفنية. وتشرح: «أحاول أن أفكر في الأمر على النحو التالي: لن أذهب إلى مصنع وأطلب منهم نحت الأحجار آلياً. أفضّل العمل مع البشر بالطريقة التقليدية؛ لأنني أهتم أيضاً بالحفاظ على التقنية التقليدية». وينطبق الأمر نفسه على هذا المشروع، حيث تم إنجازه باستخدام الطين التقليدي، مع تعديلات مقصودة. فبينما يحتوي الطوب اللبن التقليدي على الرمل والقش لجعله متماسكاً، استبعدت عورتاني ذلك عمداً لجعله يتشقق. وتوضح أنها تستخدم الطوب اللبن، الذي يُستخدم عادة في بناء الهياكل والمنازل، كأرضية، مما يتطلب فهماً عميقاً للحرفة. وتؤكد حرصها على إشراك الأشخاص المعنيين طوال العملية، وسيعرض صور للمشروع مع ذكر أسمائهم كمتعاونين.
—
* يقام الجناح السعودي بتكليف من هيئة الفنون البصرية التابعة لوزارة الثقافة، بإشراف القيمة الفنية أنطونيا كارفر، وبمشاركة القيمة الفنية المساعدة حفصة الخضيري.
—
