الفسيفساء تنتصر للأطلال في الجناح السعودي بفينيسيا

في جناح المملكة العربية السعودية في بينالي فينيسيا، تقدم الفنانة دانة عورتاني عملاً فنياً مبتكراً يستدعي قوة الفسيفساء للتعبير عن تاريخ الأماكن الأثرية المدمرة. يأخذ هذا المعرض الزوار في رحلة عبر الزمن، مستكشفاً معالم تاريخية وثقافية فُقدت بفعل الحروب والدمار، وذلك عبر تشكيلات فسيفساء بديعة مصنوعة من آلاف قطع الطين الملونة.

تُبرز أعمال عورتاني، التي تشتهر بتصويرها لموجات الهدم التي طالت المعالم التاريخية العربية، الأهمية القصوى لتوثيق ما نفقده. وتتزامن معروضاتها حالياً في فينيسيا مع تصاعد العنف في المنطقة، مما يضفي على عملها طابعاً من الأهمية التاريخية الملحة، وكأنه تعليق فوري على الأحداث الجارية.

عرضت الفنانة في السابق أعمالاً مؤثرة مثل اختزالها لتاريخ المسجد الكبير في حلب، وبلاطات حمام السمرة في غزة، مما يؤكد على سعيها الدؤوب لتسجيل الخسائر الثقافية.

التوثيق بالطين والألوان: سجلٌ للذاكرة المهدومة

تُشكل أعمال الفنانة دانة عورتاني سجلاً دقيقاً وصادقاً لما تم إزالته وتدميره، مدفوعة بقناعة راسخة بضرورة توثيق ما نخسره يومياً نتيجة للنزاعات والدمار. تكرس عورتاني جهودها لإجراء أبحاث معمقة حول المباني والأماكن الأثرية التي تتعرض للهدم المتزايد. يتوازى نشاطها الفني مع تصاعد أعمال العنف في المنطقة، مما يجعل عملها بمثابة تسجيل حي للتاريخ وتعليق مباشر على الأحداث. هذا التزامن يعزز من تأثير جناح المملكة في فينيسيا، حيث يصبح عمل دانة بمثابة رد فعل فوري على ما يحدث.

في الجناح السعودي ببينالي فينيسيا، تبرز أعمال الفنانة دانة عورتاني قوة الفسيفساء في حفظ التاريخ، حيث تستحضر 23 موقعاً تاريخياً ذو قيمة ثقافية ومادية عالية، تعرضت جميعها للدمار.

البداية من الرياض: تخليق التاريخ في الشمس

في استوديو خاص بها في الرياض، بدأت دانة عورتاني العمل على قطعة فنية ضخمة تمثل المملكة في بينالي فينيسيا. هناك، تحت أشعة الشمس الحارقة، انهمك الحرفيون والعمال في تشكيل ورص قوالب الطين وفقاً لخريطة دقيقة أعدتها الفنانة. تتواصل عورتاني مع الحرفيين، وتناقش معهم تفاصيل القطع ومواقع تركيبها، مؤكدة على خبرتهم العميقة في هذا النوع من الأعمال.

ليست أطلالاً بل تاريخ مشترك

تستلهم الفنانة عنوان عملها في فينيسيا من بيت شعر لأبي نواس: «عسى ألا تجف دموعك يا من بكى على الأطلال». ورغم استمرارها في تناول موضوع الأطلال، ترى عورتاني هذه الأماكن بنظرة مختلفة، فهي ليست مجرد بقايا، بل تحمل تاريخاً حياً وعاشر ثقافات وشعوباً، وقد يبقى بعضها قائماً حتى بعد فناء الناس. تختلف الفنانة مع مقاربة أبي نواس الساخرة ممن يبكون على الأطلال، وتشدد على أن هذه الأحجار تحكي قصصاً عمرها مئات السنين.

توضح الفنانة أنها اقتبست عبارة الشاعر لتوضيح وجهة نظرها، حيث ترى في الأطلال شهادة حية على تاريخ مشترك، وليس مجرد ماضٍ زائل.

سجادة الفسيفساء: خريطة الذاكرة العربية

يحتل عمل عورتاني كامل مساحة الجناح السعودي في فينيسيا، ليصبح أشبه بسجادة فسيفساء ضخمة مصنوعة من طوب ملون. ينقسم العمل إلى وحدات بصرية متعددة، تستلهم جميعها من منطقة الشرق الأوسط، وفقاً لما أكدته الفنانة خلال جولة خاصة أجريت في الاستوديو الذي نفذ فيه العمل خارج الرياض في يناير الماضي.

تؤكد عورتاني أن جميع الموتيفات المستخدمة مأخوذة من أماكن مختلفة في الشرق الأوسط تعرضت للدمار.

خلال بحثها، قامت الفنانة بتوثيق تفاصيل المواقع المدمرة وتأثير الدمار عليها. ثم عمدت إلى استخلاص الأشكال والزخارف الفنية المميزة من كل موقع. تشير إلى أن هذه الأشكال والزخارف متباينة في أصولها وتاريخها، بعضها روماني والبعض الآخر بيزنطي، لكنها تحرص في كل تصميم على الإشارة إلى مكان تم تدميره. تُعرض المعلومات التفصيلية حول كل موقع على أحد جدران المعرض في فينيسيا.

موقع أثري متخيل: دعوة للانغماس في التاريخ

يوفر الجناح السعودي في بينالي فينيسيا مساحة واسعة ومجردة، أتاحت للفنانة دانة عورتاني فرصة فريدة لتقديم عملها بطريقة غير تقليدية. آثرت الفنانة أن يكون العرض جذاباً للزائر، داعية إياه للغوص في العمل والمشي عبر ممرات محددة بين قطع الفسيفساء المتجاورة، المرفوعة على قواعد خشبية دون حدود مصطنعة.

تصف عورتاني التجربة بأنها أشبه بالوجود في موقع أثري متخيل، حيث تغطي الأرضية بأكملها الطين، مما يشعر الزائر بأنه جزء من العمل الفني.

تصف العمل بأنه “تركيب أرضي غامر” يجمع بين تصاميم مختلفة، مؤكدة أنها لم ترغب في وضع خريطة توضح مصدر كل نمط، لأن الكثير من هذه الأنماط تتواجد في مواقع متعددة، مما يعكس تراثاً مشتركاً.

تشرح الفنانة أن الأنماط البصرية والتصميمات الهندسية المستخدمة مستمدة من مواقع مختلفة، مثل فسيفساء البريج ودير القديس بطرس من غزة، وأشكال من قصر بيت الدين في لبنان، وشجرة نخيل من دير في سوريا. عند مدخل الجناح، توجد لوحة جدارية تفصل المفاهيم الرئيسية وقائمة بجميع المواقع المشار إليها. تستعرض الفنانة أن معظم هذه المواقع هي أماكن سكنية، بالإضافة إلى عدد كبير من المواقع المسيحية مثل الأديرة والكنائس، وكنيسة المهد، والكنائس في بيت لحم والقدس، التي تعرضت لأضرار تاريخية بسبب الاستخدام المكثف للفسيفساء فيها.

الجمال الهش: استعادة الآثار المتضررة

من مدخل القاعة، تتكشف القطع الفسيفسائية بجمال هادئ وهش، حيث تتشقق بعض النقوش لتبدو وكأنها قادمة مباشرة من مواقعها الأصلية التي مزقتها الحرب. تساهم هذه الحالة الهشة في إعطاء العمل بعداً واقعياً يعكس حالة المواقع الأثرية المتضررة. تعمدت الفنانة استبعاد إضافة القش في خلطة الطين المستخدمة، مما سمح للقطع الطينية بالتأثر بعوامل الطبيعة والتشقق، وهذا في رأيها أمر طبيعي يخدم الفكرة. كما استخدمت ألواناً طبيعية في الرسم على قطع الطوب، ولم تحاول تثبيتها بمواد اصطناعية، مفضلة أن تمتص قطع الطين هذه الألوان بمرور الوقت، مما يضيف إلى هشاشة العمل وواقعيته.

الفسيفساء من الشرق للغرب وبالعكس: لغة مشتركة

تلجأ الفنانة دانة عورتاني إلى الفسيفساء في عملها، نظراً لقدرتها على تجسيد الصلات التاريخية بين الشرق والغرب. تشير إلى أن أقدم أشكال الفسيفساء ظهرت في بلاد ما بين النهرين، ثم انتقلت إلى الإمبراطورية الرومانية وازدهرت في إيطاليا، حيث استُخدمت بكثرة في أماكن العبادة المسيحية. وعند وصول البيزنطيين إلى المشرق العربي، أعادوا هذا الفن إلى المنطقة، لذلك تستلهم معظم الأنماط المستخدمة من الفسيفساء التقليدية العائدة لتلك الحقبة.

يُعد اختيار الفسيفساء ملائماً جداً لفينيسيا، المدينة التي تشتهر بكنائسها التي تضم نماذج رائعة من فن الفسيفساء.

تضافر الأيدي: الحفاظ على التقنية التقليدية

استغرق إنجاز هذا العمل الفني المبتكر ما يزيد على 30 ألف ساعة عمل، بمشاركة 32 حرفياً من الرياض وخارجها، مما يؤكد على تضافر الأيدي في إحياء التراث. تتبنى الفنانة فلسفة التعاون مع الحرفيين المتخصصين، مؤمنة بأهميته في الحفاظ على التقنيات التقليدية.

توضح الفنانة أنها تفضل العمل مع البشر بالطريقة التقليدية بدلاً من الاعتماد على الآلات، وذلك للحفاظ على التقنية اليدوية. وفي هذا المشروع، تم استخدام طوب اللبن التقليدي، لكنها عدّلت التقنية عمداً باستبعاد القش والرمال لجعله يتشقق، مما يعكس حالة الأماكن المتضررة. ترى أنه من الضروري فهم الحرفة التي يتم العمل بها، وتحرص على إشراك الأشخاص المعنيين في كل مراحل العملية، حيث سيرون صور المشروع وسيتم ذكر أسمائهم كمتعاونين.

يُقام الجناح السعودي بتكليف من هيئة الفنون البصرية التابعة لوزارة الثقافة، بإشراف القيمة الفنية أنطونيا كارفر، وبمشاركة القيمة الفنية المساعدة حفصة الخضيري.

شاركها.