«The Devil Wears Prada 2»: عندما تتحول الموضة إلى اقتصاد كامل

تدور حالياً نقاشات واسعة حول الجزء الثاني المنتظر من فيلم “The Devil Wears Prada”، ليس فقط على مستوى الأعمال السينمائية، بل كظاهرة اقتصادية وثقافية تعكس تحولات عميقة في عالم الموضة والتسويق. الحملات الترويجية التي طغت عليها الألوان الأحمر والأسود، ليست مجرد لمسة جمالية، بل هي إشارة واضحة إلى الديناميكيات الجديدة التي تربط صناعة الأزياء بالسينما، حيث أصبحت الموضة تمثل اقتصاداً كاملاً بحد ذاته.

الاهتمام المتزايد بالجزء الثاني من فيلم “The Devil Wears Prada” يتجاوز مجرد الترقب لقصة جديدة؛ إنه يسلط الضوء على التحول الجذري في العلاقة بين السينما وعالم الموضة. فالأحمر يوحي بالقوة والجاذبية، بينما يعكس الأسود الصرامة والهيبة، مما يخلق أجواء متوترة وأنيقة في آن واحد، تحضيراً لمشاهدة عالم مشحون بالتفاصيل البصرية.

لقطة جماعية لأبطال الفيلم (د.ب.أ)

في حين اعتمد الجزء الأول من الفيلم على الإعلانات غير المباشرة والإيحاءات البصرية، يقدم الجزء الثاني نموذجاً مختلفاً تماماً. فقد فتحت استوديوهات “ديزني” الأبواب على مصراعيها أمام بيوت الأزياء الفاخرة، ودور المجوهرات، ومستحضرات التجميل، ليكونوا جزءاً لا يتجزأ من الحملة التسويقية. هذا الانخراط المباشر أصبح سمة واضحة، حتى بعد صدور الفيلم، حيث يتسابق الجميع لتسجيل حضورهم على السجادة الحمراء.

آن هاثاواي وفستان من تصميم دار «لوي فويتون» (أ.ف.ب)

مثل هذا التعاون لم يكن بالأمر السهل عند صدور الجزء الأول عام 2006. تعترف مصممة الأزياء باتريشيا فيلد بصعوبة إقناع العلامات التجارية الكبرى بالتعاون، نظراً لحساسية القصة التي استلهمت من شخصية آنا وينتور، رئيسة تحرير مجلة “فوغ” الأمريكية، والتي لا تزال شخصية مؤثرة جداً في عالم الأزياء. وينتور حالياً تشرف على التوجه الاستراتيجي والمحتوى في مجموعة “كوندي ناست” الإعلامية.

إيميلي بلانت وإطلالة مميزة من توقيع دار «مايكل كورس» وصندل من «فالنتينو» ظهرت بها في لندن (أ.ب)

في المقابل، كان المصمم الراحل فالنتينو غارافاني استثناءً، حيث وفر تصاميم للدار وظهر بنفسه في الفيلم. هذا الظهور العابر أعاد على علامة “فالنتينو” ما يقدر بـ 1.9 مليون دولار من “القيمة الإعلامية” خلال أربعة أشهر من طرح حذاء “روكستاد” الشهير، بحسب بيانات “Launchmetrics”. حتى في الجزء الثاني، ظهر هذا الحذاء بصيغته المعاصرة كإشارة امتنان.

ميوتشا برادا، رغم إدراكها للمخاطرة، وافقت على التعاون، خاصة وأن اسمها ورد في عنوان الفيلم.

لقطة من الفيلم (أ.ب)

حقق الجزء الأول نجاحاً تجارياً كبيراً بإيرادات تجاوزت 326 مليون دولار عالمياً، وكان نقطة تحول في مسيرة آن هاثاواي، محولة إياها من ممثلة شابة إلى نجمة قادرة على حمل أدوار أكثر نضجاً. كما منح الدور ميريل ستريب انتشاراً شعبياً أوسع.

من منظور آخر، مكّن الفيلم الجمهور العادي من إلقاء نظرة على عالم الموضة المعقد، بينما تعلم صناع الموضة أهمية الدعاية، مهما كانت طبيعتها، على ما يبدو أنهم تجاوزوا مبدأ “أي دعاية أفضل من لا شيء”.

آن هاثاواي بإطلالة من «بالنسياغا» (أ.ف.ب)

الفيلم يعتمد على البذخ والإثارة من خلال الأزياء الفاخرة، والحقائب الأنيقة، والأحذية الحصرية، بالإضافة إلى تفاصيل المكياج والشعر والمجوهرات. هذا الطابع الإعلاني يتجلى بوضوح في حفلات الافتتاح، حيث تتحول السجادات الحمراء إلى منصات عرض لأحدث تصاميم “سيلين”، “بالنسياغا”، “ديور”، وغيرها. هذا النهج المباشر في التسويق، رغم تحفظ البعض عليه، يراه آخرون مقبولاً، لأنه حول الجانب التجاري إلى شكل من أشكال الترفيه، مع وعي المستهلك المتزايد بالرسائل التسويقية.

لقطة من الجزء الثاني من الفيلم تظهر فيها آن هاثاواي مع ستانلي توشي (أ.ب)

الموضة مرآة لعصرها

في الجزء الثاني، لم تعد الموضة مجرد عنصر إضافي، بل أصبحت مرآة تعكس ثقافة العصر وتحولاته الاقتصادية والسياسية. في عام 2006، بدت الأزمات الاقتصادية أقل حدة، وكان الفيلم ينظر إلى عالم الموضة بسخرية وانبهار. أما اليوم، فإن عالم الموضة أصبح جزءاً من مشهد عالمي مشحون بالقلق الاقتصادي.

آن هاثاواي وميريل ستريب في مشهد من الفيلم (imdb)

هناك إشارات واضحة في الفيلم إلى ارتفاع الأسعار، مما يفرض خيارات واقعية مثل شراء الملابس المستعملة أو المعاد تدويرها. كما يتناول الفيلم مصير الصحافة المكتوبة في ظل تزايد الإعلام المرئي ومنصات التواصل الاجتماعي، والصراع مع الذكاء الاصطناعي. يظهر هذا بوضوح عندما يستخدم الممثل ستانلي توتشي أداة تسوق مدعومة بالذكاء الاصطناعي، محولاً اختيار قطعة أزياء إلى تفاعل رقمي.

شخصية “آندي ساكس”، التي تؤديها آن هاثاواي، تتطور هي الأخرى. في الجزء الأول، كانت تشعر بالصدمة في بيئة شديدة الضغط. في الجزء الثاني، تحاول التكيف مع هذا العالم باعتباره جزءاً من منظومة إعلامية واقتصادية أوسع، حيث تتداخل الحدود بين الإعلام والموضة والتسويق.

يتناول الجزء الثاني للفيلم التحوُّلات التي عصفت بالصحافة وصناعة الأزياء (imdb)

هذه التفاصيل منحت الفيلم طبقة من الواقعية، مما جعله نقطة انعطاف جديدة في علاقة الموضة بالسينما. لم يعد الفيلم مجرد كاشف لأسرار الصناعة، بل أصبح جزءاً من شبكة اقتصادية تضم دور أزياء فاخرة، وشركات تكنولوجيا، ومنصات بيع بالتجزئة، تحقق أرباحاً ضخمة لجميع الأطراف.

آن هاثاواي وفستان أسود طويل من «جيورجيو أرماني» في لندن (أ.ب)

توزيع الأدوار

من بين العلامات التجارية التي انخرطت في هذه المنظومة “ديور”، “تيفاني آند كو”، “مرسيدس بنز”، “سكياباريلي”، “جيفنشي”، “لوريال”، “وولمارت”، “ستارباكس”، “سامسونغ غالاكسي”، وغيرها. أما العلامات التي لم تشارك مباشرة في الفيلم، فتسعى للظهور في حفلاته الافتتاحية، التي أصبحت منصة ترويج عالمية. استوديوهات “ديزني” استغلت المشروع بشكل غير مسبوق، حيث بنت نظام شراكات يسمح بتوزيع العلامات التجارية على طبقات مختلفة؛ الأولى لبيوت الأزياء الفاخرة، الثانية لعلامات تجارية كـ “ستارباكس” و”سامسونغ” عبر حملات مشتركة، والثالثة لشراكات التجزئة والترخيص مثل “وولمارت” لتحويل عناصر الفيلم إلى منتجات استهلاكية.

هذا النموذج يحول الفيلم من مجرد منتج ثقافي إلى بنية اقتصادية متكاملة، حيث تصبح العلامات التجارية جزءاً من النظام، لا مجرد معلنين خارجيين.

من الجوانب الأخرى المهمة هو دخول مفهوم “القيمة الإعلامية” إلى النقاش، حيث قدرت التقارير الأولية أن الفيلم حقق حوالي 38.6 مليون دولار من هذه القيمة، والتي تعكس حجم التغطية الإعلامية والتفاعل الرقمي الناتج عن حضور العلامات التجارية.

القيمة الاقتصادية

ميريل ستريب وفستان من مجموعة «سكياباريلي» للأزياء الجاهزة (سيكاباريلي)

تتشكل هذه القيمة من التغطيات الصحافية، والمحتوى على وسائل التواصل الاجتماعي، والحملات المشتركة. وتشير بعض التقديرات إلى أن كل إطلالة داخل الفيلم يمكن أن تولد نحو مليوني دولار من القيمة الإعلامية، مما يعكس تحول الأزياء من عنصر بصري إلى وحدة اقتصادية قابلة للقياس.

التحول بين عامي 2006 و2026 لافت؛ لقد اختفى الحذر وحل محله سباق للحصول على حصة من هذا الاقتصاد الضخم. قبل إطلاق الفيلم بوقت طويل، بادرت علامات تجارية كبرى مثل “تريسيمي” و”لوريال” و”بانتين” للتواصل مع “ديزني” لضمان حضورها، ليس فقط في الفيلم، بل لتحويل كل لقطة إلى مادة تسويقية قابلة للنشر على وسائل التواصل الاجتماعي.

شاركها.