«سيجيء يوم آخر»: صوت فلسطين الحيّ للعالم
تُقدم المخرجة الفلسطينية عايدة قعدان في فيلمها الوثائقي القصير «سيجيء يوم آخر»، رؤية عميقة ومؤثرة لحياة الفلسطينيين داخل الأراضي المحتلة، عبر رحلة سينمائية تتتبع الذاكرة وتوثق الواقع المستمر منذ النكبة الفلسطينية حتى الوقت الراهن. يستخدم الفيلم رسائل صوتية مجهولة المصدر كخيوط تربط بين الماضي والحاضر، مستكشفاً قضايا الهوية والصمود والانتماء. من خلال دمج هذه الأصوات مع صور وأرشيف بصري، ترسم قعدان لوحة واقعية يجهلها الكثيرون، تتشبث فيها حكايات الصمود بالأرض.
تُسلط قعدان، في حديثها لـ«الشرق الأوسط»، الضوء على أن الفيلم، الذي يعرض حالياً في مهرجان «هوت دوكس» الكندي، ولد من رحم حرب غزة عام 2023. في ظل صمت الشوارع، أمسكت قعدان بكاميرتها لتصور الواقع المتغير، وتستقبل على مدى ثمانية أيام رسائل صوتية من مجهولين عبروا فيها عن مشاعرهم وأفكارهم وأحلامهم. تقول قعدان: «جمعت بين الصوت والصورة والأرشيف، وتركت مخيلتي تقودني إلى المكان والزمان». يهدف هذا المزج، بحسب المخرجة، إلى تكوين مشهدية عامة تعكس واقع فلسطينيي الداخل.
تأملات في الهوية والصمود عبر عدسة قعدان
يتألف الفيلم، وفقاً لتوضيح قعدان، من جزأين رئيسيين؛ الأول ينبع من الأصوات المدونة في الرسائل، والثاني يستقي من الأحداث الراهنة. تتوجه قعدان بكاميرتها إلى الجليل، وقرية الزيب، وحيفا، وتل أبيب، وجبل الكرمل، لتنقل بعدسة دافئة تعباً متراكماً خنق أصوات الناس، مما دفعهم للتمسك بأحلام يقظة تمنحهم القوة للمضي قدماً. تبرز الرسائل الصوتية شعوراً طاغياً بالوحدة، حيث عبرت إحدى المتحدثات قائلة: «أشعر كأني أعيش وحيدة في هذا المكان… نحن الموجودين هنا منذ النكبة نعدّ البصمة الحقيقية التي بقيت في فلسطين منذ تلك المرحلة».
أما الجانب البصري للفيلم، فيشمل مشاهد الطبيعة الفلسطينية، مثل سماء بحر غزة وأشجار السرو، التي تتخللها رسائل صوتية تعبر عن إحساس بطمس ملامح فلسطين الحقيقية ورائحة الزعتر والمريمية تحت طبقات الإسفلت. وتستكشف قعدان المناطق المهدمة والمناطق التي ما زالت تحتفظ بمعالمها منذ النكبة، مشيرة إلى الفارق الواضح في التنمية والخدمات بين البلدات الفلسطينية والمناطق المختلطة. حتى أن بعض القرى المهجرة تحولت إلى محميات طبيعية، كما حدث في قرية الزيب.
شكل الفيلم، حسب قعدان، مساحة للتواصل مع مجتمعها. وبعد عرضه في كندا، لمست تفاعلاً واسعاً، خاصة من الفلسطينيين المغتربين الذين شعروا بأن الفيلم يمثلهم ويعبر عن تطلعاتهم. تغيرت علاقتها بمدينة حيفا بعد الحرب، حيث شعرت بأنها تسير في شوارعها وكأنها تودع المكان. ما بدأ كمراقبة بسيطة تحول إلى فعل توثيق، لأن الشوارع بدت خالية من حضورهم.
«سيجيء يوم آخر»: الانتماء والواقع عبر الصوت والصورة
توضح قعدان أن مشاعر الانتماء تولدت لديها في لحظات كثيرة، حيث شعرت بأنها لم تعد ترى نفسها في هذا المكان. كانت الشوارع والمباني واللغة البصرية المحيطة بها تذكرها باستمرار بأنها لا تنتمي. وهنا، بدأت تفهم العلاقة بين الصوت والصورة في الفيلم؛ فالأصوات تمثل عالمهم الداخلي من مخاوف وأفكار وذكريات، بينما تجسد الصور الواقع الخارجي المعاش. أما استخدام الأرشيف في نهاية الفيلم، فهو يوثق الحضور الفلسطيني الأكثر وضوحاً في الفضاء العام خلال فترات سابقة، من السبعينات إلى عام 2016.
وتختتم قعدان حديثها بالتمسك بالأمل الذي يحمله عنوان الفيلم، «سيجيء يوم آخر»، مؤكدة على ضرورة استعادة القدرة على الكلام والاختلاف، والعودة إلى التواجد معاً في الشوارع مجدداً. ومع استمرار عرض الفيلم في المهرجانات الدولية، يتوقع أن يساهم في زيادة الوعي الدولي بواقع الفلسطينيين داخل أراضيهم، وتعزيز فهم أعمق لتحدياتهم.
