يقدم الفيلم الوثائقي البلجيكي “ثمن الشمس” نظرة عميقة على التأثيرات الحقيقية لمشاريع الطاقة المتجددة على المجتمعات المحلية في المغرب، مركزاً على قبيلة آيت مرغاد الأمازيغية. استغرق إعداد وتصوير الفيلم ثماني سنوات، ويكشف عن الوجه الآخر للإنجازات التنموية، حيث تتحمل هذه المجتمعات عبء التحول بينما تنسب الأرباح للشركات الكبرى.
«ثمن الشمس»: الفيلم الوثائقي الذي يسلط الضوء على أمازيغ المغرب وتحديات الطاقة المتجددة
عرض الفيلم الوثائقي البلجيكي “ثمن الشمس” للمرة الأولى في مهرجان “رؤى الواقع” بسويسرا، مقدماً توثيقاً شاملاً لسنوات من التحضير والتصوير امتدت لثمانية أعوام. الفيلم، وهو إنتاج مشترك بين بلجيكا وفرنسا والمغرب، يمتزج فيه اللغتان الأمازيغية والفرنسية، ويروي قصة مجتمع بدوي من قبيلة آيت مرغاد، إحدى أقدم المجموعات الأمازيغية في الهضبة الصحراوية بمنطقة ميدلت. ينطلق الفيلم من فكرة الترويج لمشاريع الطاقة المتجددة كحلول عالمية مستدامة، لكنه يكشف تدريجياً عن التكلفة الإنسانية والبيئية التي تتحملها المجتمعات المحلية، وخاصة الرحل، جراء هذه المشاريع الضخمة.
تأثير مشاريع الطاقة المتجددة على المجتمعات البدوية
يدور فيلم “ثمن الشمس” الذي تبلغ مدته 92 دقيقة، حول قبيلة آيت مرغاد، التي وجدت نفسها في مواجهة تغيير جذري يهدد نمط حياتها التقليدي الذي استمر لقرون في تناغم مع البيئة. الفيلم يسعى لفتح نقاش أوسع حول التأثيرات الاجتماعية والبيئية لمشاريع الطاقة المتجددة، من خلال قصص إنسانية مؤثرة. يدعو الفيلم المشاهدين إلى إعادة التفكير في علاقتهم باستهلاك الطاقة والتكنولوجيا، مؤكداً أن ما يبدو “نظيفاً” قد يحمل في طياته كلفة إنسانية غير مرئية ولكنها مؤثرة.
التناقض بين الخطاب الرسمي والواقع الميداني
صرح مخرج الفيلم، جيروم لو مير، لـ “الشرق الأوسط” أن مشاريع الطاقة المتجددة تتطلب مساحات شاسعة من الأراضي، مما يؤدي إلى تدميرها وتغيير ملكيتها من الأيدي العامة أو الجماعية إلى القطاع الخاص. وأشار لو مير إلى التناقض الصارخ بين الخطاب المروج لهذه المشاريع كحلول مستدامة، وبين التحولات القاسية التي يراها على الأرض. وأراد من خلال الفيلم، الذي صور ما بين عامي 2019 و2025، أن يضع هذا التناقض أمام المشاهد دون تجميل أو تبسيط.
الحداثة كشكل معاصر من الاستعمار
يعتبر لو مير أن ما يحدث للمجتمعات البدوية يمكن اعتباره امتداداً لأشكال الاستعمار، ولكن بوسائل اقتصادية وتكنولوجية بدلاً من العسكرية. يعقد الفيلم مقارنات تاريخية، تربط بين ما جرى في الهضاب المغربية وما حدث للسكان الأصليين في أمريكا خلال “حمى البحث عن الذهب”، حيث تم الاستيلاء على الأراضي وتدمير أنماط الحياة. وأكد على أن النتيجة واحدة في الحالتين، وهي اختفاء مصادر العيش التقليدية ودفع السكان للعمل في ظروف قاسية، مشابهاً ما حدث في المناجم خلال فترات الاستعمار.

هشاشة النظم البيئية والتكلفة الإنسانية
كشفت تجربة التصوير عن هشاشة الأنظمة البيئية التي تعتمد عليها هذه المجتمعات، حيث يمكن لمشروع واحد أن يغير توازناً استمر لقرون. هذا التحول لا يقاس فقط بالأرقام أو الإنتاج، بل بما يفقده الناس من أنماط حياة وقيم وعلاقات بالأرض. عمل لو مير على بناء علاقة إنسانية مع الأشخاص الذين صورهم، مؤكداً أن العمل الوثائقي يقوم على اللقاء والتبادل والثقة، وأن الفيلم يشمل ما حدث خلف الكواليس من تواصل.

دور السينما الوثائقية ومستقبل القبيلة
حاول لو مير إيصال صوت هؤلاء السكان إلى المسؤولين، وعقد لقاءات مع جهات رسمية بهدف لفت الانتباه إلى احتياجاتهم. كما يعمل على مبادرات موازية لدعمهم بشكل عملي. وعلى الرغم من صعوبة قياس تأثير السينما الوثائقية على صناع القرار، يؤكد المخرج أهمية استمرار المخرج في الدفاع عن قضيته بعد عرض الفيلم، والعمل على خلق تأثير فعلي. يبقى بقاء المخرج على تواصل مع الشخصيات التي يقدمها الفيلم أمراً حاسماً لضمان استفادتهم من صدى “ثمن الشمس”. من المتوقع أن تستمر النقاشات حول مستقبل هذه المجتمعات وتأثير الاستثمارات في الطاقة المتجددة على التراث الثقافي والطبيعي للمغرب.
