توسع القاهرة: رحلة معاناة يومية لسكان المدن الجديدة

انعكست التوسعات العمرانية المتشعبة للقاهرة الكبرى، وما نتج عنها من تباعد جغرافي بين الأطراف، على حياة الآلاف من السكان في صورة معاناة يومية تتجلى في ساعات طويلة من التنقل بين أماكن الإقامة والعمل، مما يستنزف طاقاتهم ويؤثر على حياتهم الاجتماعية.

المهندسة ندى خيري، إحدى سكان مدينة أكتوبر الجديدة غرب القاهرة، تعيش هذه المعاناة بشكل يومي، حيث تستغرق رحلتا الذهاب إلى عملها في منطقة التجمع الخامس شرق القاهرة والعودة منه ما بين 3 إلى 4 ساعات. وتقدر المسافة التي تقطعها يوميًا بحوالي 88 كيلومترًا في كل اتجاه، مما يتركها منهكة تمامًا ويحد من قدرتها على ممارسة حياتها الاجتماعية بشكل طبيعي.

وتوضح ندى، مديرة خدمة عملاء في شركة تطوير عقاري، أن هذا التنقل الطويل ترك بصماته السلبية على علاقاتها الاجتماعية. “حياتي الاجتماعية شبه منهارة، فلا توجد زيارات للأهل أو الأصدقاء، الذين يسكنون بعيداً عني”، تقول لـ”الشرق الأوسط”.

شهدت مصر توسعاً في المدن العمرانية الجديدة ودعمها بوسائل النقل الجماعي (وزارة النقل المصرية)

شهادة ندى المنهكة تعكس واقعًا يعيشه كثيرون في القاهرة الكبرى، حيث فرض التمدد العمراني للمدينة وتباعد مسافاتها تحديات يومية كبيرة على الأسر، وجعلت منهم في سباق دائم مع الوقت.

شهدت القاهرة في السنوات الأخيرة توسعًا عمرانيًا وجغرافيًا ملحوظًا، نتيجة للتوجه الحكومي نحو إنشاء مدن جديدة على أطراف العاصمة بهدف تخفيف زحامها. هذا التوجه جعل القاهرة مدينة مترامية الأطراف بشكل غير مسبوق، واتسعت المسافات بين أجزائها الشرقية والغربية لتتجاوز 100 كيلومتر في بعض الحالات.

على سبيل المثال، تتجاوز المسافة بين أكتوبر الجديدة (غربًا) ومدينة الشروق (شرقًا) 100 كيلومتر، بينما تتطلب الرحلة من حدائق أكتوبر (غربًا) إلى العاصمة الإدارية الجديدة (شرقًا) حوالي 90 كيلومترًا. وبالمثل، يقطع المسافر بين مدينة الشيخ زايد (غربًا) ومدينة بدر (شرقًا) مسافة تقارب 94 كيلومترًا.

هذا الامتداد الجغرافي الكبير كان له أثر مباشر على الحياة اليومية للسكان، أعمالهم، ودراستهم، خاصة مع انتقال الآلاف للعيش في المدن الجديدة غرب القاهرة والعمل أو الدراسة في مدن شرق القاهرة، والعكس صحيح. ورغم أن التوجه إلى المدن الجديدة كان بحثًا عن فرص سكن وعمل أفضل، إلا أنه فرض أعباءً معيشية واجتماعية جديدة.

أطراف القاهرة الشرقية والغربية تمتد لنحو 100 كيلومتر (وزارة النقل المصرية)

يقول المحاسب محمد عبد القادر، الذي يقيم في شقة بمدينة بدر شرق القاهرة اشتراها ضمن مشروع الإسكان الاجتماعي قبل عامين، ويعمل في مدينة 6 أكتوبر غرب العاصمة: “يتطلب مني الأمر قطع مسافة نحو 97 كيلومترًا ذهابًا ومثلها إيابًا يوميًا، مما يسبب لي إرهاقًا شديدًا، خاصة مع معاناتي الصحية”.

أضاف عبد القادر لـ”الشرق الأوسط” أنه فكر في توحيد مكان السكن والعمل، لكن قوانين الإسكان الاجتماعي تمنعه حاليًا من التصرف في مسكنه، كما أن إيجاد وظيفة قريبة من سكنه أمر صعب. وهو ما يجعله مضطرًا لتحمل الوضع الحالي “حتى إشعار آخر”.

تحديات التوسع العمراني وتأثيره الاقتصادي والاجتماعي

حرصت الحكومة المصرية على إنشاء مدن عمرانية جديدة ومدن ذكية بمعايير عالمية لاستيعاب الزيادة السكانية، منها 9 مدن في إقليم القاهرة الكبرى، وذلك ضمن “المخطط الاستراتيجي للتنمية العمرانية – مصر 2030”.

يؤكد الدكتور حمدي عرفة، أستاذ الإدارة الحكومية والمحلية في مصر، أن “التوسع العمراني بالقاهرة خلق واقعًا ضاغطًا على المواطنين، حيث يستنزف وقتًا يصل من ساعتين إلى 3 ساعات ذهابًا وإيابًا”.

ويضيف عرفة لـ”الشرق الأوسط” أن هذا الترامي الجغرافي يترجم إلى أعباء معيشية واقتصادية متزايدة، حيث يهدر المواطن وقتًا طويلاً في التنقل اليومي، بالإضافة إلى ارتفاع تكاليف المواصلات، مما يشكل ضغطًا مباشرًا على دخل الأسر.

أحد أحياء العاصمة الجديدة (موقع هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة في مصر)

من جانبها، تشير الدكتورة زينب أحمد نجيب، الخبيرة الاجتماعية واستشارية العلاقات الأسرية والإنسانية، إلى نوع آخر من الضغوط. تبين أن استنزاف الوقت في وسائل المواصلات يؤثر بشكل مباشر على العلاقات الأسرية والاجتماعية، إذ يشعر الأفراد بالعزلة عن أهلهم وأصدقائهم، ويجدون صعوبة في تخصيص وقت للزيارات أو الترفيه.

وتضيف لـ”الشرق الأوسط” أن ضغوط التنقل الطويلة تجعل الآباء والأمهات عاجزين عن أداء أدوارهم بشكل كامل، مما يضعف التماسك الأسري. كما تمتد التحديات لتؤثر على الصحة النفسية للأفراد، فالإجهاد الجسدي والعزلة يولدان شعورًا بالإحباط والاكتئاب، وقد يدفعان البعض إلى الانطواء أو فقدان الرغبة في التواصل الاجتماعي.

توضح كلمات الخبيرة الاجتماعية واقع أسرة أميرة سعيد. فعلى الرغم من سكنها وسط القاهرة، إلا أنها تعمل في شركة بالقاهرة الجديدة شرقًا، بينما يعمل زوجها في 6 أكتوبر غربًا، ويدرس ابنهما الأكبر في معهد بمدينة الشروق شرقًا. هذا التشتت يجعل الأسرة لا تلتقي إلا ليلاً، وقد أثر هذا الواقع على ترابطهم وعلى قدرتهم على ممارسة حياة اجتماعية طبيعية.

العاصمة الجديدة خلقت واقعاً جديداً شرق القاهرة (وزارة النقل المصرية)

يشير عرفة إلى أن للحكومة دورًا أساسيًا في تخفيف هذه الأعباء من خلال تحسين شبكات النقل الجماعي، بما يوازن بين الامتداد العمراني وجودة حياة المواطن ويرفع من كفاءة الإنتاج والعمل.

وعملت مصر على مدار السنوات الماضية على دعم المدن الجديدة بوسائل النقل الجماعي الحديثة، مثل القطار الكهربائي الخفيف والأوتوبيس الترددي، بالإضافة إلى التوسع في إنشاء مترو الأنفاق.

كما بدأت تشغيل المرحلة الأولى من “مونوريل شرق النيل” مؤخرًا، والذي وصفته وزارة النقل المصرية بأنه “نقلة مهمة في وسائل النقل الجماعي السريعة والعصرية”، لما يساهم فيه من تسهيل الوصول إلى مختلف المناطق السكنية والأحياء بالقاهرة الجديدة والعاصمة الإدارية الجديدة.

يُتوقع أن تستمر جهود الحكومة في تطوير شبكات النقل الجماعي لتخفيف العبء على سكان المدن الجديدة. وستكون المتابعة عن كثب لمدى فعالية هذه المشروعات في تقليص أوقات التنقل وتكاليفها، بالإضافة إلى تأثيرها على جودة الحياة اليومية والاجتماعية والاقتصادية لسكان هذه المدن، أمرًا بالغ الأهمية.

شاركها.