الرئيس التنفيذي لـ«آي بي إم»: السعودية تدخل مرحلة التنفيذ في الذكاء الاصطناعي
أفاد الرئيس التنفيذي لشركة “آي بي إم” (IBM)، أرفيند كريشنا، بأن المملكة العربية السعودية قد تجاوزت مرحلة بناء البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، ودخلت الآن في مرحلة التنفيذ الصناعي والمؤسسي واسع النطاق. جاء هذا التصريح خلال مؤتمر «IBM Think 2026» في بوسطن، حيث ركزت “آي بي إم” على دورها كشريك استراتيجي للمملكة في تحويل استثماراتها التقنية إلى حلول عملية. وأشار كريشنا إلى أن التحدي الرئيسي لم يعد يتعلق بالبنية التحتية، بل بكيفية توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي لتعزيز حياة المواطنين وتمكين القطاعات الصناعية من النمو بوتيرة أسرع.
وفي هذا السياق، ربط كريشنا مسار تطوير الذكاء الاصطناعي في السعودية بتطلعاتها الاقتصادية والتنموية، مؤكداً على الحاجة إلى أدوات رقمية ترفع القدرة التشغيلية والإنتاجية. وأوضح أن التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي يجب أن تصبح جزءًا لا يتجزأ من القوة العاملة، لتساهم في رفع مستويات الإنتاجية على المدى الطويل.
ما بعد البنية التحتية: نحو تنفيذ صناعي للذكاء الاصطناعي
أوضح كريشنا أن بناء البنية التحتية ليس هو العقبة الأساسية حاليًا، وأن ما يتعلق به بات مفهومًا إلى حد بعيد. وأشار إلى أن التحدي الحقيقي يتمثل في كيفية تطبيق هذه التقنيات لتحسين حياة المواطنين وتمكين ظهور صناعات جديدة بوتيرة أسرع. وأكد على أن المملكة، نظرًا لحجمها السكاني وطموحاتها التنموية، تحتاج إلى تبني الأدوات الرقمية التي تعزز القدرة التشغيلية والإنتاجية.
وفي سياق الشرح العملي، استعان كريشنا بمثال ملموس يتعلق بقطاعي الحج والسياحة. فبدلاً من الاعتماد على زيادة أعداد العمالة لاستيعاب ملايين الزوار، أكد على ضرورة أن تصبح الرقمنة والذكاء الاصطناعي جزءًا من الحل. هذا التوجه يهدف إلى تمكين هذه القطاعات من التوسع بشكل أسرع، خلال خمس سنوات بدلاً من عشرين. وبهذا، يتجاوز النقاش حول الذكاء الاصطناعي مجالات الطاقة والمشروعات الحكومية الكبرى، ليشمل قطاعات الخدمات والاقتصاد اليومي.
نموذج تشغيل جديد للمؤسسات
لقد عكست قراءة كريشنا للوضع السعودي الرسالة الأوسع التي حاولت “آي بي إم” إيصالها في المؤتمر. فلم يتم تقديم الذكاء الاصطناعي كأداة لتحسين مهام محدودة، بل كنقطة انطلاق لـ”نموذج تشغيل” جديد للمؤسسات. وأكد كريشنا أن السؤال المحوري لم يعد يتعلق بحجم الميزانية أو الاستثمار في الحوسبة، بل بمدى دمج الذكاء الاصطناعي في جوهر عمليات الأعمال.
إعادة تصميم المؤسسة بواسطة الذكاء الاصطناعي
دعم كريشنا طرحه بسلسلة من الأرقام التي تهدف إلى إظهار أن النقاش قد تجاوز مرحلة الوعود. وأشار إلى إمكانية تحقيق حوالي 40% من المكاسب الإنتاجية بحلول عام 2030، وأن أكثر من ثلثي المؤسسات تخطط لإعادة استثمار هذه المكاسب في الابتكار والنمو. كما لفت إلى أن “آي بي إم” نفسها حققت 4.5 مليار دولار من المكاسب الإنتاجية السنوية عبر تطبيق الذكاء الاصطناعي والأتمتة داخليًا. بهذه الطريقة، تهدف “آي بي إم” إلى إقناع السوق بأن الذكاء الاصطناعي أصبح مرتبطًا بنموذج العمل الأساسي، وليس مجرد تحديث تقني.
وفي جلسة “اسألني أي شيء”، شبه كريشنا العديد من استخدامات الذكاء الاصطناعي الحالية بمرحلة “المصباح” في عصر الكهرباء، مؤكدًا أنها مفيدة لكنها لا تعيد تعريف طريقة عمل الشركة. وأوضح أن التحول الحقيقي يحدث عندما يُستخدم الذكاء الاصطناعي لإعادة بناء العمليات من البداية إلى النهاية، شاملةً المشتريات، الموارد البشرية، الحسابات الدائنة، والامتثال. هنا فقط يظهر الأثر الفعلي، ويمكن أن تحقق الإنتاجية مكاسب كبيرة في بعض المجالات. وهكذا، لم تعد “آي بي إم” تنظر إلى الذكاء الاصطناعي كمساعد لبعض الموظفين، بل كطبقة تشغيلية يجب أن تتغلغل في صلب المؤسسة.
السوق السعودية عمليًا: من التجارب إلى النشر الواسع
على نطاق أوسع، تتفق قراءة “آي بي إم” المحلية مع الرؤية العالمية للشركة. فقد صرح نائب الرئيس الإقليمي لـ”آي بي إم” في السعودية، أيمن الراشد، بأن الشركات في المملكة تنتقل من “تجارب معزولة” إلى “النشر على نطاق واسع”. وأكد أن الذكاء الاصطناعي لم يعد إضافة جانبية، بل أصبح “جزءًا أساسيًا من كيفية عمل الشركات وتنافسها”.
البيانات والحوكمة: تحديات التنفيذ في السعودية
أشار الراشد إلى أن التحديات الرئيسية حاليًا لا تكمن في القدرة الحاسوبية، بل في “البيانات الجاهزة للذكاء الاصطناعي، والحوكمة، والتنفيذ المؤسسي”. وأوضح أن القطاعات الأقرب إلى نقل الذكاء الاصطناعي من مرحلة التجارب إلى الإنتاج على نطاق واسع هي البنوك، الخدمات المالية، الاتصالات، الطاقة، والقطاعات الحكومية. يعود ذلك إلى نضج البيانات، ووضوح الأطر التنظيمية، وحجم التشغيل في هذه القطاعات.
توسع الحديث حول السيادة الرقمية في السوق السعودية ليشمل كيفية حوكمة أعباء العمل أثناء تشغيلها، خاصة مع دخول الذكاء الاصطناعي إلى بيئات أكثر حساسية وتنظيمًا. وأشار إلى أن العملاء السعوديين باتوا يركزون على قياس العائد على الاستثمار من خلال وفورات التكلفة، ورفع الإنتاجية، وخفض المخاطر، بدلًا من مجرد إطلاق تجارب جديدة. بهذا المعنى، فإن قراءة “آي بي إم” المحلية تتوافق مع ما ذكره كريشنا، بأن السعودية تدخل مرحلة يُقاس فيها الذكاء الاصطناعي بقدرته على إحداث أثر تشغيلي فعلي.
تكامل التقنيات: البنية الهجينة والسيادة الرقمية
عززت “آي بي إم” طرحها بالتركيز على مفهوم البنية الهجينة، السيادة الرقمية، البيانات الحية، الأتمتة، والحوكمة كعناصر مترابطة. وأكد كريشنا على حاجة الدول والمؤسسات إلى بنى يمكن السيطرة عليها، محمية من المخاطر الجيوسياسية وانقطاعات الاتصال. في السوق السعودية، يكتسب هذا الطرح أهمية إضافية، حيث تصبح السيادة على البنية جزءًا من القدرة على تشغيل الذكاء الاصطناعي بمرونة وثبات في القطاعات الاستراتيجية.
«أرامكو» كمثال عملي لتطبيق الذكاء الاصطناعي
ظهر النائب الأعلى للرئيس للرقمنة وتقنية المعلومات في «أرامكو السعودية»، سامي العجمي، خلال مؤتمر «IBM Think 2026» كمثال عملي لتطبيق الذكاء الاصطناعي. لم تهدف “آي بي إم” بذلك إلى عرض “أرامكو” كعميل كبير، بل كحالة نجاح تثبت أن الانتقال من التجارب إلى التنفيذ الصناعي هو أمر واقع. ذكّر كريشنا بالعلاقة التاريخية بين الشركتَين التي تعود إلى عام 1947، لكنه أكد على أن شكل العلاقة اليوم يمثل تحالفاً استراتيجياً حول الابتكار المشترك.
توطين الخبرات وتعاون استراتيجي
أشار العجمي إلى أن افتتاح “آي بي إم” في السعودية قد قرب الشركة من “أرامكو”، وساهم في “توطين بعض الخبرات”. ولخص هذه النقلة بالقول: “قبل 80 عامًا كنا نشتري آلات من (آي بي إم)، واليوم نتعاون لبناء مستقبل التقنيات الرقمية”. هذا يعكس تحول “آي بي إم” من مورد تكنولوجيا إلى شريك في بناء الاستخدامات الصناعية المستقبلية في المملكة.
«أرامكو»: التركيز على الأثر التشغيلي وليس التجارب
أوضح العجمي أن “أرامكو” ليست مهتمة بإثباتات المفهوم أو التجارب الأولية، بل تسعى إلى “نقل الأفكار من المختبر إلى الميدان”. هذه الرؤية تضع “أرامكو” في صميم رسالة “آي بي إم”، بأن المرحلة القادمة ستُحسم بقدرة الشركات على بناء نماذج تشغيل فعلية للذكاء الاصطناعي. أضاف العجمي أن الطرفين يستطيعان “إغلاق الحلقة من الفكرة إلى الأثر” من خلال تعريف المشكلات الحقيقية، تصميم الحلول، اختبارها، ومن ثم توسيع نطاقها عند النجاح.
البيانات كوقود للذكاء الاصطناعي: أرقام «أرامكو»
قدم العجمي أرقامًا داعمة لهذا التوجه، مشيرًا إلى أن “أرامكو” تولد حوالي 10 مليارات نقطة بيانات يوميًا، واصفًا البيانات بأنها “وقود رحلة الذكاء الاصطناعي”. كما أشار إلى تدريب أكثر من 6 آلاف خبير متخصص في الذكاء الاصطناعي، مما يسرع من تطوير ونشر الحلول. بلغت قيمة مبادرات التقنية الرقمية في العام الماضي 5.2 مليار دولار، وجاء أكثر من 50% منها من تنفيذات الذكاء الاصطناعي. يعكس هذا الاستخدام العملي للذكاء الاصطناعي أثرًا ماليًا وتشغيليًا مباشرًا.
الذكاء الاصطناعي: محرك للابتكار في قطاع الطاقة
أضاف العجمي بعدًا آخر يتعلق بتأثير الذكاء الاصطناعي على قطاع الطاقة، حيث يرفع الكفاءة والموثوقية ويخفض التكاليف، بينما يزيد الطلب على الطاقة نفسها. قدمت الأمثلة التطبيقية كيف يبدو هذا التنفيذ في شركة بحجم “أرامكو”، مثل النماذج البتروفيزيائية لتحسين استكشافات النفط، أدوات التحسين العالمي للأصول، و”المستشار الهندسي” لدعم المهندسين في الميدان، بالإضافة إلى تطبيقات في المالية وسلاسل الإمداد. أصبح الذكاء الاصطناعي الآن ممتدًا عبر سلسلة القيمة الكاملة في “أرامكو”.
رهان «آي بي إم» في المملكة: التنفيذ المستدام
في الختام، لم تقدم “آي بي إم” للسعودية مجرد عرض تقني، بل سردية متكاملة تؤكد على أن البنية التحتية هي خطوة أولى، وأن التحدي الحقيقي يكمن في التبني والتنفيذ. ترى الشركة أن الذكاء الاصطناعي سيثبت قيمته في المملكة ليس بالعروض التوضيحية، بل بدخوله إلى قطاعات حيوية كالطاقة، السياحة، الخدمات، والحكومة، كجزء أساسي من العمليات. الرسالة التي خرجت بها “آي بي إم” من بوسطن مفادها أن السعودية لا تحتاج فقط إلى المزيد من الحوسبة، بل إنها تدخل مرحلة يُقاس فيها الذكاء الاصطناعي بقدرته على إحداث تغيير جذري في طريقة عمل المؤسسات والقطاعات على أرض الواقع.
