يواجه رئيس الوزراء العراقي المكلف، علي الزيدي، مهمة شاقة في تشكيل حكومة جديدة، حيث تتصاعد نفوذ الفصائل المسلحة ليطوق مفاوضات تشكيل الحكومة، رغم الدعم المحلي والإقليمي الذي يحظى به. ومع إبداء الرئيس الأمريكي، دونالد ترمب، رغبته في رؤية حكومة “خالية من الإرهاب”، يتصاعد التوتر حول إمكانية مشاركة ممثلين عن فصائل مسلحة موالية لإيران، وضعتهم واشنطن على لائحة الإرهاب، في الحكومة المقبلة، مما يضع الزيدي في موقف صعب بين الضغوط الأمريكية والمطالب الداخلية.

نفوذ الفصائل يطوق مفاوضات تشكيل الحكومة العراقية

وسط توقعات بتشكيل حكومة جديدة، تتكشف التحديات التي تعترض رئيس الوزراء المكلف، علي الزيدي. يأتي في مقدمة هذه التحديات الموقف الأمريكي الرافض لإشراك شخصيات مرتبطة بالفصائل المسلحة، التي صنفتها واشنطن كمنظمات إرهابية. وقد تجلى هذا الموقف في تصريح للرئيس الأمريكي دونالد ترمب، الذي عبر عن رغبته في حكومة عراقية “خالية من الإرهاب”، وهو ما فسره المراقبون بأنه رفض قاطع لمشاركة ممثلي فصائل تتلقى دعماً من إيران، مثل “عصائب أهل الحق”.

في المقابل، يواجه الزيدي ضغوطاً محلية من جانب هذه الفصائل نفسها، والتي تسعى لضمان الحصول على مناصب وزارية وحقوق تمثيلية في الحكومة الجديدة. ويأتي في طليعة هذه المطالب حركة “صادقون”، الذراع السياسي لـ “عصائب أهل الحق”، التي أعلنت صراحة عن سعيها للحصول على منصب نائب رئيس الوزراء. وقد أكد عضو المكتب السياسي للحركة، حسين الشيحاني، أن لديهم “النقاط الكافية” لشغل هذا المنصب، مشيراً إلى أن الحركة تستهدف أيضاً وزارات حيوية مثل الصناعة والتربية “لإثبات قدرتها على الإصلاح”.

تاريخياً، حصلت “عصائب أهل الحق” على حصص مهمة في الحكومات السابقة، بما في ذلك وزارتا الثقافة والتعليم العالي، بالإضافة إلى منصب النائب الأول لرئيس البرلمان. ووفقاً للشيحاني، فإن منصب النائب الأول لرئيس البرلمان يعادل “9 أو 10 نقاط”، وكل نقطة تعادل نائباً برلمانياً أو مقعداً، مما يعزز طموح الحركة لشغل منصب نائب رئيس الوزراء.

في ظل هذا المشهد المتشابك، تبدو آليات إرضاء الأطراف المتنافسة، داخلياً وخارجياً، غير واضحة. ويشير بعض المراقبين إلى أن “التزاحم على حاشية رئيس الوزراء المكلف، والاحتكاك بين الفصائل، ضمنها (العصائب)، على مناصب حكومية أساسية، قد لا يسمحان بإطالة عمر حكومة الزيدي المقبلة”. هذا التداخل في المصالح والطموحات يضع الزيدي في مفترق طرق صعب، يتطلب مهارة سياسية عالية لتجاوزه.

التحديات الأمريكية أمام تمثيل الفصائل

من جهته، يرى الأكاديمي ورئيس “مركز التفكير السياسي”، إحسان الشمري، أن تصريح الزيدي بأن حكومته ستكون “جامعة” وقد “يشترك فيها الجميع” قد يتعارض بشكل مباشر مع اشتراطات الإدارة الأمريكية. وأضاف الشمري أن هذا التعارض يمثل “محطة تحدٍّ كبيرة بالنسبة للمكلف”، لا سيما أنه “يعول كثيراً على الدعم الأميركي”.

ويعتقد الشمري أن هذا التحدي قد ينعكس سلباً على مفاوضات الزيدي مع الأجنحة السياسية للفصائل المسلحة، خاصة وأن هذه الفصائل تملك “ثقلاً برلمانياً قوياً”. ويشير إلى أن المكلف قد يجد نفسه مضطراً إلى “القبول بمناورة أو محاولة إقناع الفصائل المسلحة بأن تقدم شخصيات تبدو مستقلة لكنها في النهاية تدخل ضمن دائرة الولاء لها”. هذا التوجه، بحسب الشمري، قد يخفف الضغط الأمريكي، ولكنه في الوقت ذاته “يعيد الحكومة دائرة تمثيل الجماعات المسلحة، على غرار ما حدث مع حكومة السوداني”، وهو ما لن تقبله الولايات المتحدة.

إذا ما تضمنت الكابينة الوزارية وجوهاً فصائلية، فإن ذلك “يرسخ قناعة داخلية بعودة هذه الجماعات مرة أخرى إلى المساحة التنفيذية”، مما قد “لا يكتب النجاح لحكومة الزيدي في هذه الحالة”. وبذلك، يخلص الشمري إلى أن المكلف “قد يضطر إلى اعتماد مبدأ التوفيق بين ضغوط الفصائل المسلحة واشتراطات الرئيس الأمريكي”، معولاً على “إمكانية إقناع الإدارة الأميركية بعدم تمثيل هذه الفصائل بأشخاص ينتمون إليها بشكل مباشر”.

صعوبة تجاوز عقدة الفصائل

من زاوية أخرى، يرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة الموصل، فراس إلياس، أن قدرة رئيس الوزراء المكلف على تشكيل حكومة “خالية من الإرهاب” بالمعنى الأمريكي “تبدو غير واقعية”. وأوضح إلياس أن الطرح الأمريكي “يعكس رؤية سياسية أكثر مما يعكس واقعاً قابلاً للتحقق داخل البنية العراقية الحالية”.

ويؤكد إلياس أن “أي محاولة لإقصاء هذه الفصائل بشكل كامل من المشهد الحكومي تبدو غير واقعية”، ليس فقط بسبب “ثقلها الميداني”، بل لأنها أيضاً “جزء من التوازنات السياسية داخل (الإطار التنسيقي)، الذي يُفترض أن يشكّل الحاضنة الأساسية لحكومة الزيدي”.

وبناءً على ذلك، يرى إلياس أن “تجاوز عقدة الفصائل لا يمكن أن يكون عبر المواجهة المباشرة، بل من خلال إعادة ضبط دورها وتقليص هامش حركتها، بما ينسجم مع متطلبات الدولة، دون الذهاب إلى صدام مفتوح معها”. وبالتالي، فإن “السيناريو الأرجح لا يتمثل في تشكيل حكومة خالية من الفصائل، بل في تشكيل حكومة أكبر انضباطاً على المستوى الأمني، تعمل على احتواء هذه القوى وإعادة توجيه دورها ضمن إطار الدولة”.

يبقى الغموض سيد الموقف بشأن كيفية تخطي هذه العقبات. فإما أن ينجح الزيدي في إقناع الفصائل بتقديم شخصيات لا تثير حفيظة واشنطن، أو أن يضطر إلى اتباع سياسة “الواقعية السياسية” التي قد لا ترضي جميع الأطراف. يبقى موقف الولايات المتحدة والإطار التنسيقي هما المحددان الرئيسيان لمصير الحكومة المقبلة.

شاركها.