ما دور الغدة الزعترية الغامضة في طول العمر والحماية من السرطان؟

لطالما اعتبرت الغدة الزعترية، وهي عضو غامض ذو فصين يقع خلف عظمة القص، كتلة نسيجية عديمة الفائدة في معظم مراحل حياة الإنسان. ومع ذلك، تشير الأبحاث الحديثة إلى أن هذه الغدة تلعب دوراً محورياً في بناء جهاز مناعي قوي، وقد تكون مفتاحاً لطول العمر والحماية من أمراض خطيرة كالسرطان. يهدف هذا المقال إلى تسليط الضوء على الدور المتجدد للغدة الزعترية في صحة الإنسان.

لعبت الغدة الزعترية دوراً ثانوياً في الفهم الطبي لعقود، حتى أن البعض وصفها بـ «مقبرة للخلايا». لكن الأبحاث المتزايدة، وخاصة تلك التي استخدمت تقنيات الذكاء الاصطناعي، تكشف عن وظائف حيوية لها في تنظيم المناعة طوال العمر، ومكافحة الشيخوخة، وربما الوقاية من السرطان وأمراض القلب والأوعية الدموية. يثير هذا الاهتمام المتجدد أسئلة حول إمكانية تجديد هذه الغدة أو إبطاء ضمورها.

إعادة اكتشاف دور الغدة الزعترية

كان يُعتقد تقليدياً أن الغدة الزعترية تفقد أهميتها بعد مرحلة الطفولة، حيث تتقلص وتبدأ بالتحول إلى نسيج دهني. إلا أن دراسات حديثة، من بينها أبحاث نشرت في مجلة «Nature»، تشير إلى أن صحة الغدة الزعترية تظل عنصراً مؤثراً في طول العمر والصحة العامة. فقد وجد الباحثون أن الأشخاص الذين لديهم غدة زعترية سليمة كانوا أقل عرضة للإصابة بسرطان الرئة أو الوفاة بأمراض القلب، كما أظهروا استجابة أفضل لعلاجات المناعة السرطانية. هذه النتائج دفعت بالعلماء إلى التساؤل عما إذا كانت الغدة الزعترية هي السبب المباشر لهذه الفوائد الصحية أو مجرد مؤشر على صحة عامة أفضل.

قال هوغو آيرتس، مدير برنامج الذكاء الاصطناعي في الطب بمستشفى ماساتشوستس العام بريغهام: «كان يُفترض تماماً أن الغدة الزعترية ستصبح غير ذات أهمية». ومع ذلك، فإن الأبحاث الحالية تدعو إلى إعادة تقييم هذا الاعتقاد بشكل جذري.

دراسة رائدة وغير متوقعة

بدأت مسيرة البحث عن الدور الجديد للغدة الزعترية بمحض الصدفة. كان طالب الطب كاميرون كوشيش، ضمن مختبر ديفيد سكادن في مستشفى ماساتشوستس العام، يدرس دور الغدة الزعترية لدى البالغين الذين خضعوا لعمليات زرع نخاع العظم. لاحظ الباحثون أن الغدة الزعترية تلعب دوراً مشابهاً لدورها في مرحلة الطفولة لدى هؤلاء المرضى أثناء إعادة بناء جهازهم المناعي.

توقفت الأبحاث بشكل مؤقت بسبب جائحة كوفيد-19، مما دفع الفريق إلى تحويل مسار دراستهم لتناسب العمل عن بعد. اتجه اهتمامهم نحو تحليل السجلات الطبية للبالغين الذين خضعوا لعمليات جراحية تم فيها استئصال الغدة الزعترية، لاستكشاف ما تشير إليه هذه الحالات بشأن صحتهم العامة.

نتائج الدراسة الصادمة

كانت نتائج التحليل مذهلة وغير متوقعة. فقد أظهرت الدراسة، التي نشرت في مجلة «نيو إنغلاند» الطبية عام 2023، أن الأشخاص الذين خضعوا لاستئصال الغدة الزعترية كانوا أكثر من ضعف عرضة للوفاة في السنوات الخمس التي تلت الجراحة مقارنة بمجموعة مقارنة خضعت لجراحة قلب أو صدر ولم يتم استئصال الغدة الزعترية لديهم. كما لوحظ أن الأشخاص الذين لا يملكون غدة زعترية كانوا أكثر عرضة للإصابة بالسرطان بمرتين.

عندما اقتصر التحليل على الأفراد الذين لم يعانوا من مشاكل مناعية سابقة، تبين أن غياب الغدة الزعترية يزيد من احتمالية الإصابة بأمراض المناعة الذاتية. وأعرب ديفيد سكادن عن دهشته قائلاً: «بصراحة، كنت أظن أنها مجرد وسيلة لإبقاء طلابي نشطين خلال جائحة (كوفيد – 19)، ولم أتوقع أن تُظهر نتائجها الكثير. لقد صُدِمنا جميعاً. لهذا الأمر تأثير كبير، ليس فقط على الأمور التي كنا قلقين بشأنها… بل أيضاً على معدل الوفيات لأي سبب».

الغدة الزعترية: عضو طفولة ذو أهمية مستمرة

لم تبدأ البشرية بفهم الدور الحاسم للغدة الزعترية إلا في ستينات القرن الماضي. في هذه المرحلة المبكرة من الحياة، تقوم الغدة الزعترية بتعليم الخلايا التائية (T cells)، وهي نوع من خلايا المناعة، كيفية التعرف على مسببات الأمراض مثل الفيروسات والبكتيريا، وكيفية تجنب مهاجمة أنسجة الجسم السليمة. الأطفال الذين يولدون بدون غدة زعترية يعانون من مشاكل مناعية شديدة، وغالباً ما تكون قاتلة ما لم يتم إجراء زرع.

تخرج الخلايا التائية من نخاع العظم وتستقر في الغدة الزعترية، حيث تتكاثر وتنمو. خلال هذه العملية، تضمن الغدة الزعترية أن هذه الخلايا لا تهاجم خلايا الجسم، وهي عملية تعرف بـ «التسامح الذاتي». هذه الآلية ضرورية للحفاظ على توازن الجهاز المناعي ومنع أمراض المناعة الذاتية.

ومع ذلك، مع بلوغ سن المراهقة، تبدأ الغدة الزعترية بالتحول تدريجياً إلى نسيج دهني، مما دفع العديد من الأطباء إلى اعتبارها عضواً خاملاً في معظم مراحل حياة الإنسان. هذا التحول الطبيعي هو ما ظل يلتبس على العلماء لفترة طويلة.

الذكاء الاصطناعي يفتح آفاقاً جديدة

قدم استخدام الذكاء الاصطناعي في تحليل قواعد البيانات الطبية الضخمة رؤى جديدة حول صحة الغدة الزعترية. استخدم فريق آيرتس الذكاء الاصطناعي لتطوير مؤشر شامل لصحة الغدة الزعترية بناءً على فحوصات التصوير المقطعي المحوسب لآلاف الأشخاص. ثم تم ربط هذا المؤشر بالسجلات الصحية لهؤلاء الأفراد على مدى سنوات.

أكدت التحليلات وجود علاقة قوية بين صحة الغدة الزعترية وصحة الفرد العامة. فقد وجد الباحثون أن الأشخاص الذين حصلوا على مؤشر أعلى لصحة الغدة الزعترية كانوا أقل عرضة للوفاة لأي سبب خلال الاثنتي عشرة عاماً التالية. كما أشارت النتائج إلى انخفاض معدلات الإصابة بسرطان الرئة والوفيات الناجمة عن أمراض القلب. ومن الجدير بالذكر أن الأشخاص ذوي الغدة الزعترية الأكثر صحة أظهروا أيضاً استجابة أقوى لأدوية العلاج المناعي للسرطان.

على الرغم من أن هذه النتائج لا تثبت بشكل قاطع أن الغدة الزعترية هي السبب المباشر لهذه النتائج الصحية الأفضل، إلا أنها توفر مؤشرات قوية تدعو إلى المزيد من البحث والاستكشاف في هذا المجال.

لماذا استغرق الأمر كل هذا الوقت؟

تعبر باولا بونفانتي، عالمة الأحياء الخلوية في معهد فرنسيس كريك، عن دهشتها وتساؤلها حول سبب تأخر الاهتمام العلمي بالغدة الزعترية رغم أهميتها. تشير بونفانتي إلى أن الغدة الزعترية تتمتع بقدرة فريدة على التجدد، وهي في الوقت ذاته من أسرع الأعضاء شيخوخةً. «تحتوي الغدة الزعترية على خلايا جذعية مماثلة لتلك الموجودة في جلدنا، ونُجدد جلدنا كل ثلاثة أسابيع». هذا التناقض بين القدرة على التجدد وسرعة الشيخوخة يجعله مجالاً خصباً للدراسة.

تعمل بونفانتي حالياً على تطوير غدة زعترية بشرية في المختبر. على المدى الطويل، تأمل أن يكون من الممكن هندسة غدة زعترية من متبرع بالأعضاء لمساعدة المرضى الذين يخضعون لعمليات زرع الأعضاء، مما قد يقلل من الحاجة إلى الأدوية المثبطة للمناعة القوية، والتي تحمل آثاراً جانبية خطيرة. كما تبحث بونفانتي في إمكانية إبطاء التدهور الطبيعي للغدة الزعترية، وهو ما قد يكون له تطبيقات واسعة في علاج أمراض المناعة الذاتية، وتحسين الاستجابة للتطعيمات مع التقدم في العمر، وتعزيز فعالية العلاجات المناعية للسرطان.

إن البحث المستمر في دور الغدة الزعترية يعد واعداً، ويحمل إمكانات كبيرة لتحسين فهمنا للصحة والمناعة وطول العمر. يبقى التحدي الأكبر هو فهم كيفية الحفاظ على صحة هذه الغدة أو تجديدها، وكيفية تسخير قدراتها لحماية الجسم من الأمراض.

شاركها.