ما دور الغدة الزعترية الغامضة في طول العمر والحماية من السرطان؟

لطالما نظر الأطباء إلى الغدة الزعترية، هذا العضو الغامض ذو الفصين الكامن خلف عظمة القص، باعتباره كتلة نسيجية عديمة الفائدة في معظم مراحل الحياة. لكن الأبحاث الحديثة تعيد تشكيل فهمنا بشكل جذري، مشيرة إلى أن الغدة الزعترية قد تلعب دوراً حاسماً في طول العمر، وتعزيز المناعة، بل وحتى الحماية من السرطان.

ابتداءً من الإغريق القدماء الذين اعتقدوا أنها مقر الروح، وصولاً إلى وصف أحد الحائزين على جائزة نوبل لها بأنها “مجرد مقبرة للخلايا”، ظلت الغدة الزعترية في هامش الاهتمام العلمي. رغم إدراك العلماء لدورها الحيوي في بناء جهاز مناعي قوي لدى الأطفال، إلا أن ضمورها السريع وتوقفها عن العمل عند البلوغ جعلها تبدو وكأنها أثر باقٍ من مراحل التطور المبكرة. ومع ذلك، تشير دراسات جديدة إلى أن هذه النظرة قد تكون خاطئة تماماً.

الغدة الزعترية: من عضو مهمل إلى منظم للشيخوخة والصحة

تُعيد مجموعة متنامية من الأبحاث النظر في دور الغدة الزعترية، محوّلة إياها من مجرد عضو ثانوي إلى مُنظِّم قوي للشيخوخة وصحة المناعة طوال العمر. تُسلط هذه الدراسات الضوء على الدور المحوري الذي قد تلعبه في إطالة العمر، فضلاً عن مساهمتها المحتملة في الحماية من السرطان، وأمراض المناعة الذاتية، ومخاطر أمراض القلب والأوعية الدموية. وقد أثار هذا الاكتشاف اهتماماً كبيراً بإيجاد طرق لتجديد هذه الغدة، وإبطاء عملية ضمورها، وفهم وظيفتها بشكل أعمق.

قال هوغو آيرتس، مدير برنامج الذكاء الاصطناعي في الطب بمستشفى ماساتشوستس العام بريغهام: “كان يُفترض تماماً أن الغدة الزعترية ستصبح غير ذات أهمية”. ولكن الأبحاث الحديثة، وفقاً لتقرير لصحيفة “واشنطن بوست”، تخالف هذا الافتراض.

وفي دراسات نُشرت في مجلة “Nature”، وجد آيرتس وزملاؤه أن الأشخاص الذين يتمتعون بصحة جيدة للغدة الزعترية كانوا أقل عرضة للإصابة بسرطان الرئة أو الوفاة بأمراض القلب – أو أي سبب آخر. كما أنهم استجابوا بشكل أفضل لعلاجات المناعة السرطانية، مما يشير إلى ارتباط وثيق بين صحة هذه الغدة والاستجابة المناعية العامة.

ومع ذلك، لا تزال هناك أسئلة جوهرية تتطلب الإجابة. هل الغدة الزعترية هي المحرك الرئيسي لهذه النتائج الصحية المحسّنة، أم أنها مجرد مؤشر غير مباشر على صحة عامة أفضل؟ ولماذا يختلف تدهورها بين الأفراد؟ وهل يمكن إبطاء هذا التدهور أو إيقافه؟ ربما الأهم من ذلك، لماذا استغرق الأمر كل هذا الوقت لإعادة النظر في الدور الحقيقي لهذه الغدة؟

دراسة رائدة تكشف عن مفاجأة

بدأت الدراسة التي ألقت الضوء مجدداً على الغدة الزعترية بمحض الصدفة. كان كاميرون كوشيش، طالب الطب في مختبر ديفيد سكادن بمستشفى ماساتشوستس العام ومعهد هارفارد للخلايا الجذعية، مهتماً بفهم دور الغدة الزعترية لدى فئة محددة من السكان: البالغين الذين خضعوا لعمليات زرع نخاع العظم. فبينما يعيد هؤلاء المرضى بناء مناعتهم، أدرك الباحثون أن الغدة الزعترية تؤدي دوراً مشابهاً لدورها في مرحلة الطفولة.

ثم جاءت جائحة “كوفيد – 19” لتوقف جميع الأبحاث المباشرة. انتقل الفريق إلى تجربة يمكن إجراؤها عن بُعد، موسعاً نطاق سؤال البحث: ماذا تُشير السجلات الطبية للبالغين الذين خضعوا لجراحة استئصال الغدة الزعترية إلى صحتهم العامة؟

نتائج الدراسة: صدمة علمية

أذهلت النتائج الفريق البحثي. ففي السنوات الخمس التي تلت استئصال الغدة الزعترية، كان احتمال وفاة الأشخاص الذين خضعوا للجراحة أكثر من ضعف احتمال وفاة مجموعة مماثلة من الأشخاص الذين خضعوا لجراحة في القلب أو الصدر ولكنهم ما زالوا يمتلكون غدتهم الزعترية. كما أن احتمال إصابة من لا يملكون غدة زعترية بالسرطان كان ضعف احتمال إصابتهم به. وعندما اقتصر الباحثون في تحليلهم على الأشخاص الذين لم يعانوا من مشاكل مناعية قبل الجراحة، تبين أن من لا يملكون غدة زعترية كانوا أكثر عرضة للإصابة بأمراض المناعة الذاتية.

“بصراحة، كنت أظن أنها مجرد وسيلة لإبقاء طلابي نشطين خلال جائحة (كوفيد – 19)، ولم أتوقع أن تُظهر نتائجها الكثير. لقد صُدِمنا جميعاً”، قال سكادن. “لهذا الأمر تأثير كبير، ليس فقط على الأمور التي كنا قلقين بشأنها… بل أيضاً على معدل الوفيات لأي سبب.”

ونُشرت هذه النتائج المذهلة عام 2023 في مجلة “نيو إنغلاند” الطبية، مصحوبةً بمقالٍ وصفها بأنها “بحث رائد” سيغير بلا شك فهمنا للمناعة والشيخوخة.

الغدة الزعترية: عضو الطفولة الحاسم

في تاريخ علم التشريح البشري، ظلت الغدة الزعترية منطقةً غير مستكشفة نسبياً طوال معظم التاريخ الطبي. غالباً ما يصفها الأطباء بأنها آخر عضو رئيسي تم اكتشاف وظيفته. يمكن استئصال هذه الغدة في عملية تُسمى “استئصال الغدة الزعترية”، والتي تُجرى لأسبابٍ كثيرة، منها تحسين الوصول إلى القلب. وعلى حد علم الجميع، كانت حالة هؤلاء المرضى جيدة، ولم تظهر عليهم أعراض واضحة لفقدانها.

“هذه إشارات دقيقة للغاية. الأمر ليس كما لو أننا نستأصل القلب ويموت المريض”، قال آيرتس، مبيناً سبب عدم ملاحظة تأثير فقدان الغدة الزعترية في السابق.

لم يبدأ الباحثون في فهم الدور الحاسم الذي تلعبه الغدة الزعترية خلال مرحلة الطفولة إلا في ستينات القرن الماضي. تُعلّم الغدة الزعترية خلايا المناعة التي تُسمى الخلايا التائية (T)، كيفية الدفاع ضد الفيروسات ومسببات الأمراض الأخرى، وكيفية تجنب مهاجمة الأنسجة السليمة. يعاني الأطفال الذين يولدون من دونها من مشاكل مناعية حادة، ويموتون في حال عدم إجراء عملية زرع.

تخرج الخلايا التائية من نخاع العظم، وتستقر في هذا العضو، وفي البداية، تتكاثر وتنمو بشكل كبير، كما أوضح أندري ليماركيس، الطبيب والعالم المتخصص في ترميم الغدة الزعترية في مركز “سيتي أوف هوب” لأبحاث وعلاج السرطان. وأضاف: “ثم تتكاثر وتنمو بشكل كبير. لا نريد لأي منها أن يهاجم خلايا الجسم”. تُعدّ الغدة الزعترية سبباً رئيسياً في منع جهاز المناعة من مهاجمة خلايا الجسم، وهو ما يُطلق عليه علماء المناعة “التسامح الذاتي”.

لكن في سن المراهقة، تبدأ الغدة الزعترية بالتحول إلى نسيج دهني. وقد عدّها كثير من الأطباء عضواً ضامراً إلى حد كبير طوال معظم حياة الإنسان، وهو ما شكل حجر الزاوية في فهمنا السابق.

إعادة النظر في الغدة الزعترية: جهود التجديد والأبحاث المستقبلية

يسلط الضوء الجديد على الغدة الزعترية، ويربطها بمجموعة واسعة من النتائج الصحية الإيجابية. استخدم فريق آيرتس الذكاء الاصطناعي لتحليل أنماط في قواعد بيانات ضخمة وطويلة الأمد تُستخدم لتتبع أمراض القلب والأوعية الدموية والسرطان. وفي جزء من هذه الفحوصات الطبية، خضع آلاف الأشخاص لفحوصات التصوير المقطعي المحوسب التي كشفت عن غدتهم الزعترية. استخدم فريقهم الذكاء الاصطناعي لتطوير مؤشر شامل لصحة الغدة الزعترية، ثم بحثوا عن أنماط في السجلات الصحية لهؤلاء الأشخاص على مدى سنوات.

وجدوا أن صحة الغدة الزعترية تنبئ بصحة جيدة وفقاً لمجموعة واسعة من المعايير. في إحدى مجموعات البيانات، كان الأشخاص الحاصلون على مؤشر أعلى لصحة الغدة الزعترية أقل عرضة للوفاة لأي سبب خلال السنوات الاثنتي عشرة التالية. كما كانوا أقل عرضة للإصابة بسرطان الرئة أو الوفاة بأمراض القلب. ومن المثير للاهتمام، أنهم وجدوا أيضاً أن الأشخاص ذوي الغدة الزعترية الأكثر صحة كانوا أكثر استجابة لأدوية العلاج المناعي للسرطان، التي تحفز الجهاز المناعي لمكافحة السرطان، ولكنها لا تُجدي نفعاً مع كثير من المرضى.

لا يُمكن لهذا البحث الجديد الجزم بأن الغدة الزعترية هي سبب النتائج الصحية الأفضل، ولكنه يُقدّم مؤشرات قوية تستحق الاستكشاف العميق.

اهتمام متأخر أم بداية جديدة؟

تقول باولا بونفانتي، عالمة الأحياء الخلوية في معهد فرنسيس كريك وأستاذة في جامعة كوليدج لندن، التي انبهرت بمفارقة الغدة الزعترية: “أخيراً، أدرك الناس أهمية الغدة الزعترية!”. فهي تتمتع بقدرة استثنائية على التجدد، لكنها في الوقت نفسه من أسرع الأعضاء شيخوخةً.

وتضيف بونفانتي: “تحتوي الغدة الزعترية على خلايا جذعية مماثلة لتلك الموجودة في جلدنا، ونُجدد جلدنا كل ثلاثة أسابيع”.

تعمل بونفانتي حالياً على بناء غدة زعترية بشرية في المختبر. وعلى المدى البعيد، تأمل في إمكانية هندسة غدة زعترية من متبرع بالأعضاء، لمساعدة المرضى الذين يخضعون لعمليات زرع الأعضاء على تقبّل العضو الجديد دون الحاجة إلى تناول أدوية مثبطة للمناعة قاسية. فهذه الأدوية تحمي العضو الجديد من هجوم الجهاز المناعي، لكنها تُسبب كثيراً من الآثار الجانبية.

كما تهتم بونفانتي بدراسة إمكانية إبطاء التدهور الطبيعي للغدة الزعترية. قد يكون لهذا العمل تطبيقات كثيرة في أمراض المناعة الذاتية، لتحسين استجابة الجسم للتطعيمات مع التقدم في السن، أو لتحسين استجابة الجسم للعلاجات المناعية للسرطان.

في حين تظل التحديات كبيرة، فإن الأبحاث الجارية حول الغدة الزعترية تنبئ بعصر جديد في فهمنا للمناعة والصحة وطول العمر، وقد تحمل في طياتها حلولاً غير متوقعة للأمراض التي طالما عجزنا عن علاجها.

شاركها.