لماذا يبتسم ترمب في وجه الزيدي؟ تقاطع المصالح الأميركية الإيرانية في العراق يتجسد في تكليف علي الزيدي بتشكيل حكومة جديدة، وهو ما أثار تساؤلات حول الصفقة الغامضة التي قد تقف وراء هذا التطور غير المتوقع. جاءت تهنئة الرئيس الأميركي دونالد ترمب للمكلف العراقي الجديد، علي الزيدي، لتضع حداً لحالة من الغموض والترقب سادت المشهد السياسي العراقي، لا سيما بعد الرفض الأميركي السابق لترشيح شخصيات أخرى. هذا التطور، الذي يأتي بعد 93 يومًا من تهديدات ترمب بقطع الدعم عن العراق في حال عودة شخصيات مرتبطة بنوري المالكي إلى السلطة، يفتح الباب أمام تحليلات معمقة حول الديناميكيات المعقدة بين واشنطن وطهران في التأثير على القرار العراقي.
في خطوة لافتة، قام مبعوث ترمب إلى سوريا، توم برّاك، بإجراء اتصال بالزيدي، مما بدا أنه تمهيد للاتصال الرئاسي الذي حوّل الزيدي، المصرفي الذي حظي بإجماع القوى الشيعية، إلى واجهة لصفقة محتملة، وإن كانت لا تزال تحمل طابع الغموض. اللافت للنظر هو غياب أي ردود فعل قوية أو انتقادات عنيفة من الجماعات العراقية الموالية لإيران، والتي عادة ما تعبر عن رفضها لمحاولات التطبيع مع واشنطن، عدوها الأبرز. على العكس من ذلك، انشغل صقور ما يُعرف بـ«محور المقاومة» بتقديم نصائح عبر وسائل الإعلام لرئيس الوزراء المكلف، تؤكد على ضرورة اختيار شخصيات قوية في حكومته.
الزيدي: مفتاح باب صغير لصفقة أوسع؟
شهد قصر الرئاسة في بغداد تكليف الزيدي بتشكيل الحكومة الجديدة بعد ساعتين فقط من تسريب اسمه لأول مرة. جاء هذا التطور بعد أيام قليلة من تقارير عن زيارة قام بها إسماعيل قاآني، قائد «قوة القدس»، إلى بغداد، مما يثير تساؤلات حول ما إذا كان قد فرض شروطه أو استسلم لصفقة خارج إرادة إيران. يقع العراق في منطقة حساسة بين واشنطن وطهران، اللتين تتنافسان على فرض إيقاعهما على بغداد، وقد يكون تكليف الزيدي علامة على تفوق إحدى القوتين، أو ربما صفقة بينهما.
سبقت مفاوضات القوى الشيعية لاختيار رئيس وزراء مقبول الحرب بين الولايات المتحدة وإيران. بعد الفيتو الأميركي على المالكي، تقلصت الخيارات أمام قادة التحالف الشيعي، مما أجبرهم على جولات مكثفة من المفاوضات. مع الحرب والمفاوضات المتعثرة بين واشنطن وطهران، يُسوّق اسم علي الزيدي كحل محتمل، لكن الصفقة التي أدت إلى تكليفه لا تزال محل تساؤلات كبيرة.
لماذا يبتسم ترمب في وجه الزيدي، سؤال يطرح نفسه بقوة في ظل هذه التحركات. يرى العديد من المراقبين والمشاركين في النقاشات السياسية الخاصة أن الزيدي يمثل «مفتاح باب صغير لصفقة أوسع». قد يكون ترمب قد سمع من طرف فاعل في بغداد عرضًا يستحق الانتظار، دون تقديم شيك أمريكي مفتوح. تفيد مصادر أن الزيدي لم يظهر فجأة، بل كان دائمًا «بطاقة رابحة على مكتب أطراف متنفذة» داخل «الإطار التنسيقي».
هناك احتمالان رئيسيان لمستقبل تكليف الزيدي. الاحتمال الأول هو فشل حكومته في الحصول على ثقة البرلمان العراقي. في هذه الحالة، يكون «الإطار التنسيقي» قد ربح وقتًا وجهز بدائل أخرى، وهو سيناريو قد يمتد إلى تكتيكات مشابهة لتلك التي استخدمها رئيس الوزراء المنتهية ولايته محمد شياع السوداني. الاحتمال الثاني هو أن يجتاز الزيدي عقبة البرلمان ويمضي إلى مرحلة انتقالية قد تستمر سنتين أو أقل. في هذا السيناريو، يطرح البعض فكرة الانتخابات المبكرة، ولكن هذا يبدو غير واقعي في الوقت الحالي، إلا إذا كان هناك تنسيق غير معلن مع زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر.
يعتقد البعض أن الصدر قد يصل إلى هذا السيناريو شريطة أن تضحي بغداد بكباش فداء من الفصائل، وهو ما يعتبر خبرًا جيدًا لزعيم التيار الصدري. لكن هناك احتمالاً ثالثاً، مدعومًا بالطريقة التي جاء بها الزيدي والسلاسة التي حصل بها على دعم إقليمي، وهو وجود صفقة مُعدة مسبقًا مع الأميركيين. في هذا الاحتمال، يبرز اسم المبعوث الأمريكي توم برّاك، وتدور أحاديث في الكواليس حول تحجيم النفوذ الصيني في المنطقة. إذا كان الأمر كذلك، فإن الصفقة التي يبدو أنها شجعت ترمب على تهنئة الزيدي ربما منحت واشنطن مكاسب كبيرة في بغداد مقابل تخفيف قبضتها على إيران، أو أن أوراق طهران تراجعت إلى درجة سمحت للاعبين كبار في بغداد بالقيام بما يلزم، بما في ذلك ترشيح الزيدي، لتجنب عقوبات اقتصادية قد تزيد من عزلة العراق وتحاصر طهران.
يبقى السؤال حول لماذا يبتسم ترمب في وجه الزيدي مفتوحًا للقراءات، خاصة مع استمرار المفاوضات والغموض الذي يكتنف مسار تشكيل الحكومة العراقية الجديدة. الخطوة التالية المتوقعة تتمثل في تقديم الزيدي برنامجه الوزاري إلى البرلمان العراقي، حيث سيواجه اختبار الثقة، وهو ما سيكشف المزيد عن مدى قوة الصفقة المحتملة وديناميكياتها.
