تتزايد وتيرة التصعيد في جنوب لبنان بشكل غير مسبوق، حيث تحول النمط الانتقائي للعمليات الإسرائيلية إلى استهداف واسع ومتزامن لعدة بلدات وقرى. يأتي هذا التوسع في الاستهداف العسكري بالتوازي مع توسيع دائرة الإنذارات، مما يعكس انزلاق المواجهة إلى مرحلة أكثر تعقيداً. وقد أصدر الجيش الإسرائيلي إنذاراً موجهاً لبلدة حبوش في قضاء النبطية، مما يثير المخاوف من اتساع نطاق العمليات.

في مؤشر على احتمال امتداد رقعة الاستهداف إلى مناطق أعمق في العمق اللبناني، وتوسع قصف “حزب الله” ليشمل شمال إسرائيل، أفادت وسائل إعلام إسرائيلية بأن الجيش الإسرائيلي أصدر تعليمات تقضي بتقييد التجمعات المفتوحة في البلدات الحدودية مع لبنان لما يصل إلى 200 شخص، وفي المباني لما يصل إلى 600 شخص. هذه الإجراءات تعكس حالة التأهب القصوى على الجبهة الشمالية.

توسع في الخط الأصفر ونذر توغل

لوحظ يوم الجمعة تكثيف الجيش الإسرائيلي لضرباته المدفعية باتجاه بلدتي طلوسة وبني حيان، وهما بلتان تقعان داخل الخط الأصفر، دون أن يعلن السيطرة عليهما. ترفع هذه الخطوة المخاوف من أن يكون القصف تمهيداً لتوغل بري محتمل في البلدتين، اللتين تقعان شرق وادي الحجير الاستراتيجي. يتكرر هذا النمط من القصف المدفعي المكثف قبل أي عملية توغل، كما حدث في بلدات سابقة.

وتزامن القصف مع استهداف مماثل لبلدات الصوانة وقلاويه، وأطراف وادي الحجير، ومحيط بلدات فرون، والغندورية، وتولين. هذه البلدات تطل على وادي الحجير وتشرف على البلدات الواقعة داخل الخط الأصفر، سواء التي سيطر عليها الجيش الإسرائيلي أم لم يستكمل السيطرة عليها بعد.

قصف متواصل وخسائر بشرية

غداة يوم دموي شهد تصعيداً ملحوظاً، أفادت الوكالة الوطنية للإعلام الرسمية اللبنانية بأن الجيش الإسرائيلي قصف 15 بلدة في جنوب لبنان يوم الجمعة، وذلك ضمن خروقاته اليومية لاتفاق وقف إطلاق النار. شنت الطائرات الحربية الإسرائيلية سلسلة غارات استهدفت بلدات مثل برعشيت، وياطر، وعين بعال، وكونين، ومجدل زون، ويحمر الشقيف، وكفرا في قضاء بنت جبيل. كما طالت الغارات دير قانون رأس العين، مما أسفر عن سقوط قتيلين وجريحين. وزاد القصف على الغندورية وبرج قلاويه من الحصيلة، حيث أدى إلى مقتل مواطن.

وامتدت الضربات الإسرائيلية إلى العمق، حيث استهدفت مسيّرة إسرائيلية دراجة نارية في بلدة المنصوري بقضاء صور. كما طالت غارة أخرى مدينة صور بالقرب من مؤسسات الإمام الصدر. ونفذت القوات الإسرائيلية عمليات تفجير في منطقة حامول – الناقورة، وأخرى في بلدة شمع. بالتوازي، حلقّت مسيّرات على علو منخفض فوق مدن وقرى عدة، بما في ذلك صور، والبقاع الغربي (جب جنين وكامد اللوز)، والضاحية الجنوبية لبيروت، والعاصمة بيروت.

وقد أعلن الجيش الإسرائيلي عن مهاجمة أكثر من 40 هدفاً لحزب الله خلال الـ 24 ساعة الماضية. وأشار إلى أن الأهداف المدمرة في مناطق متفرقة من جنوب لبنان شملت مقرات كانت العناصر تنشط فيها، ومنشآت عسكرية، وبنى تحتية أخرى، مؤكداً على تدميرها.

هجمات متبادلة وتبادل للتحذيرات

في المقابل، أعلن حزب الله، في سلسلة بيانات، استهدافه تجمعات للجيش الإسرائيلي في محيط مدرسة بلدة حولا، وقصف تجمع آخر في محيط مجمع موسى عباس في بنت جبيل بالمدفعية. كما أعلن عن استهداف موقع في البياضة بمسيّرة انقضاضية، مؤكداً تحقيق إصابة مؤكدة. هذه الهجمات تأتي رداً على الضربات الإسرائيلية المتواصلة.

من جهته، أعلن الجيش الإسرائيلي أن حزب الله أطلق صاروخاً ومسيّرة مفخخة سقطا قرب منطقة عمليات قواته في جنوب لبنان دون تسجيل إصابات. وأشار إلى اعتراض مسيّرة أخرى. نقلت وسائل إعلام إسرائيلية وقوع إصابتين واندلاع حريق في مركبة عسكرية قرب مستوطنة مسكفعام، نتيجة انفجار مسيّرة.

عمليات الفرقة 98 في بنت جبيل وتدمير مرافق

على صعيد العمليات البرية، أعلنت المتحدثة باسم الجيش الإسرائيلي أن قوات الفرقة 98، التي تضم ألوية المظليين و”جفعاتي” والكوماندو ولواء النيران (214)، نفذت خلال الأسابيع الأخيرة عمليات في منطقة بنت جبيل. هدفت هذه العمليات إلى “تطهيرها من البنى التحتية”، مشيرة إلى تدمير أكثر من 900 هدف. وأعلنت العثور على مئات الوسائل القتالية، وقتل أكثر من 200 مقاتل في اشتباكات من مسافة قريبة وبغطاء جوي. وأضافت أن سلاح الجو دمر ملعب البلدة بعد العثور عليه مفخخاً. ميدانياً، أعلن الجيش عن تفكيك أكثر من 7500 قطعة سلاح، ومصادرة كميات كبيرة من الذخائر والمعدات.

انتشال ضحايا وتزايد الخسائر

واصلت فرق الدفاع المدني جهودها لانتشال الجثث من تحت الأنقاض، جراء ضربات يوم الخميس التي شهدت تنفيذ أكثر من 84 غارة على قضاءي صور وبنت جبيل، بالتزامن مع قصف مدفعي. ووفقاً لوزارة الصحة اللبنانية، أسفرت هذه الغارات عن مقتل 29 شخصاً، من بينهم عسكري في الجيش اللبناني مع أفراد من عائلته في غارة استهدفت منزلهم بكفررمان، بالإضافة إلى مقتل مسؤول في حزب الله وإصابة 33 آخرين.

في سياق العمليات الإغاثية، أنهت فرق الدفاع المدني والإسعاف التابعة لكشافة “الرسالة الإسلامية” في مركز كفررمان عمليات رفع الأنقاض من مبنى استُهدف في غارة ليلية. وتمكنت بعد جهود استمرت حتى ما قبل ظهر اليوم من انتشال خمسة جثامين. كما استهدفت مسيّرات إسرائيلية بلدة زبدين بصاروخين موجّهين خلال تجمع لمواطنين قرب مقبرة البلدة، مما أدى إلى مقتل ستة أشخاص. وأدت غارة على بلدة تول إلى سقوط أربعة قتلى، وإصابة 13 آخرين، بينهم خمسة أطفال. توزعت غارات أخرى على بلدات قانا، وقلاوية، والبازورية، حيث استهدفت مسيّرة سيارة مدنية في قلاوية، مما أسفر عن مقتل شخص واحتراق المركبة بالكامل.

نظرة مستقبلية

مع استمرار العمليات، ترتفع الحصيلة الإجمالية للضحايا منذ مطلع مارس (آذار) الماضي إلى 2586 قتيلاً وأكثر من 8 آلاف جريح، وفق بيانات وزارة الصحة. يشير هذا الارتفاع إلى تصاعد غير مسبوق في وتيرة المواجهات واتساع نطاقها الجغرافي. يبقى الوضع متقلباً، ومن المتوقع أن تستمر العمليات المتبادلة ما لم تتدخل جهود دبلوماسية فعالة لخفض التصعيد. الانظار تتجه نحو أي تطورات قد تشهدها الأسابيع القادمة.

شاركها.