أعلنت مؤسسة الإمارات للدواء عن تفعيل آلية جديدة تهدف إلى كسر الاحتكار في سوق الدواء، وذلك بإلزام شركات الأدوية بتعيين أكثر من وكيل لكل منتج طبي يتم تداوله في الدولة. ويمثل هذا القرار تحولاً نوعياً في فلسفة تنظيم سوق الدواء، حيث يجمع بين البعد الصحي والبعد التنافسي، ومن المتوقع أن يفتح المجال أمام منافسة قوية ويسهم في خفض الأسعار بنسبة تصل إلى 20%، خاصة في الأدوية المبتكرة وأدوية الأمراض المزمنة. يأتي هذا القرار في أعقاب تحقيق سابق كشف عن تباين كبير في أسعار الأدوية في الإمارات مقارنة بالأسواق الخارجية.

قرار استراتيجي لتعزيز المنافسة والأمن الدوائي في الإمارات

أكد صيادلة وبرلمانيون وقانونيون أن قرار مؤسسة الإمارات للدواء بتعدد وكلاء توزيع المنتجات الدوائية سيشكل إضافة قوية لسوق الدواء الإماراتي. وأشار هؤلاء الخبراء إلى أن القرار يهدف إلى كسر الاحتكار، الذي قد يؤدي إلى ارتفاع الأسعار وانقطاع الإمدادات، فيما يسهم تعدد الوكلاء في تعزيز القدرة الشرائية للمستهلكين وضمان استقرار سلاسل الإمداد. كما يُعتقد أن هذه الخطوة ستشجع المنافسة العادلة وتقلل الحواجز أمام المستثمرين المواطنين الراغبين في دخول السوق، بالإضافة إلى الحد من تضارب المصالح والممارسات غير المشروعة، مما يعود بالنفع على المصلحة العامة.

وفقاً لصيادلة مثل محمد منذر وأحمد النشار ووائل فهمي، فإن احتكار الأدوية يهدد حق المرضى في الحصول على العلاج المناسب في الوقت المناسب. بينما يضمن منع الاحتكار عدم تعريض المرضى لمخاطر انقطاع الدواء. وأوضحوا أن سيطرة وكيل واحد على توزيع منتج شركة عالمية تلغي المنافسة السعرية. أما تعدد الوكلاء فيحد من الممارسات الاستغلالية، ويعزز استقرار سلاسل الإمداد، ويقلل من مخاطر الانقطاع الناتج عن تعثر وكيل واحد في الاستيراد لأسباب مالية أو لوجستية، مما يعزز الأمن الدوائي الوطني.

ومع ذلك، شدد الصيادلة على ضرورة وضع ضوابط رقابية صارمة لمنع التحايل، مثل قيام وكلاء حاليين بإنشاء شركات وهمية لتسجيلها كوكلاء للمنتج نفسه، مما يؤدي عملياً إلى استمرار الاحتكار. ودعوا إلى فرض جزاءات رادعة في حال ثبوت التحايل أو التواطؤ، لضمان استقرار المنافسة العادلة. ويرى مندوبا تسويق أدوية، يوسف علبي وبيتر منصور، أن القرار يعزز المنافسة وسرعة التوريد والدعم الفني، ويفتح المجال أمام شركات ومستثمرين مواطنين لدخول السوق، مما يقلل من الممارسات الاحتكارية.

توجيهات وأهداف قرار تعدد وكلاء الأدوية

وفي سياق متصل، أكد أعضاء في المجلس الوطني الاتحادي أن قرار مؤسسة الإمارات للدواء يتماشى مع توصيات المجلس الهادفة إلى تعزيز الأمن الوطني للصناعات الدوائية، والتصدي للممارسات الاحتكارية، وتخفيض أسعار الأدوية، وتحفيز الصناعات الوطنية. وقالت عضوة المجلس، منى خليفة حماد، إن القرار يساهم في تشجيع المواطنين على الاستثمار في قطاع الأدوية من خلال توفير تكافؤ الفرص والمنافسة العادلة، مما يعزز ثقة المستثمرين ويزيد من فرص تحقيق أرباح مستدامة.

وشددت حماد على أن قرار إلزام شركات الأدوية بتعيين أكثر من وكيل يعد خطوة مهمة في مسار توطين صناعة الأدوية. وأضافت أن إيجاد الفرص لمشاركة مستثمرين مواطنين يعزز الاكتفاء الذاتي ويسهم في توطين سلاسل الإمداد، ويتماشى مع توجهات الدولة لتطوير بيئة دوائية تنافسية ومستقرة. وطالبت عضوة المجلس، مضحية المنهالي، ببناء منظومة دوائية مستدامة عبر دعم التصنيع المحلي والبحث العلمي، مع التركيز على الاستزراع الحيوي والدوائي كأداة استراتيجية واعدة.

وأوضحت المنهالي أن الاستدامة في قطاع الصناعات الدوائية يمكن تحقيقها عبر الاستزراع الحيوي للتركيبات الطبية، باستخدام الكائنات الحية أو النباتات الطبية أو الخلايا المعدلة وراثياً لإنتاج مركبات فعالة. ويتطلب ذلك إنشاء بنوك جينية ومحطات استزراع، وتعزيز الأمن الدوائي، وتأسيس مزارع بيولوجية لإنتاج مركبات دوائية نادرة. وشددت على أن الاستثمار في التكنولوجيا الحيوية، بما يشمل دعم تقنيات الاستزراع الخلوي والهندسة الوراثية، وتمويل الدراسات التطبيقية، يمثل ركيزة أساسية لتفعيل التصنيع المحلي وتحقيق الاكتفاء الذاتي.

آفاق قانونية واقتصادية لكسر احتكار الأدوية

واقترح عضو المجلس، وليد المنصوري، إطلاق برنامج وطني للبحوث الدوائية بالشراكة مع الجامعات، واستقطاب الشركات العالمية للتصنيع الدوائي مباشرة بدلاً من التصنيع بالوكالة. وأشار إلى أن الاستثمار في القطاع الدوائي يخفف من فاتورة الاستيراد ويولد قيمة مضافة، مؤكداً أن الأمن الدوائي يجب أن يحظى بأولوية موازية للأمن الغذائي والمائي. وأفاد المحامي سالم عبيد النقبي بأن قرار تعدد الوكلاء يثير تساؤلات قانونية حول عقوبة الاحتكار وحرية التعاقد ومبادئ حماية المنافسة. وأشار إلى أن الاحتكار يعد ممارسة محظورة بموجب المرسوم بقانون اتحادي رقم 36 لسنة 2023 بشأن تنظيم المنافسة، والذي يحظر الاتفاقات أو الممارسات التي تقيد المنافسة.

وأوضح النقبي أن العقوبات تشمل غرامات مالية كبيرة وتدابير تصحيحية، وقد تفرض جزاءات إدارية مثل وقف النشاط أو إلغاء الترخيص، مما يعكس توجهاً تشريعياً واضحاً لردع السلوكيات الاحتكارية. وأكد أن حرية التعاقد ليست مطلقة، وأن التدخل التنظيمي الذي يفرض تعدد الوكلاء يعد قيداً تبرره اعتبارات المصلحة العامة، وعلى رأسها ضمان توافر الدواء ومنع التحكم بالأسعار. وأشار إلى أن القرار يعزز مبدأ تكافؤ الفرص ويمنع تركز القوة السوقية في يد جهة واحدة، وينسجم مع السياسة العامة للدولة في تنويع مصادر التوريد وتعزيز الأمن الدوائي.

وحذّر النقبي من أن امتناع شركات الأدوية عن تعيين أكثر من وكيل قد يعرضها لمسؤوليات قانونية، تبدأ بالمسؤولية الإدارية أمام الجهة التنظيمية، وربما مسؤولية مالية عن أي أضرار تلحق بالسوق أو المستهلكين. وأكد المحامي الدكتور أحمد المعمري أن الإمارات نجحت في ترسيخ منظومة تشريعية متكاملة لحماية المنافسة، وأن قرار مؤسسة الإمارات للدواء يضمن تحقيق التوازن بين تشجيع الاستثمار وتعزيز المنافسة وحماية الأمن الدوائي والمستهلك. وأوضح أن القرار ينهي احتكار المنتجات الطبية ويحد من مخاطر انقطاع الإمدادات.

ولضمان التزام الشركات المصنعة بتعدد الوكلاء، اقترح المعمري ربط تجديد تسجيل المنتج سنوياً بتوافر أكثر من وكيل فعلي، ومنع تسجيل وكلاء تربطهم علاقة ملكية، وإنشاء قاعدة بيانات مركزية، ووضع آلية رقابية لرصد أي تغيير في الملكية. كما اقترح إلزام الشركات بمنع العقود الحصرية المطلقة، وإتاحة فرص متكافئة للتعاقد مع موزعين مؤهلين، والإعلان عنهم رسمياً، وضمان توزيع الحصص السوقية بشكل متوازن، بالإضافة إلى تعليق أو إلغاء ترخيص الوكيل المخالف أو شطب تسجيل المنتج.

توصيات المجلس الوطني الاتحادي لتطوير القطاع الدوائي

وفي سياق متصل، أوصى المجلس الوطني الاتحادي بإنشاء صناديق تمويل بحثية لدعم الابتكار وتخفيض أسعار الأدوية، وتشجيع شركات التأمين على اعتماد المنتجات المحلية. وتضمنت توصيات المجلس، بعد مناقشة “سياسة الحكومة في تحقيق الأمن الوطني للصناعات الدوائية”، التخزين الاستراتيجي للمواد الخام الفعالة لخمس سنوات على الأقل، وتوجيه إنتاج المصانع الوطنية نحو التخصصية، مع إعطاء الأولوية للأدوية البيولوجية المبتكرة عبر شراكات دولية.

شاركها.