كشفت دراسة حديثة صادرة عن “إريكسون ConsumerLab” أن جودة الشبكة المضمونة أصبحت عاملاً حاسماً في قرار اشتراك المستهلكين السعوديين في خدمات الاتصالات، حيث تشكل 53% من هذا القرار. وتؤكد النتائج أن المشغلين الذين يركزون على تقديم أداء موثوق به في اللحظات المهمة سيتمكنون من التفوق في سوق تنافسية تشهد تغيراً في توقعات العملاء.
يشير هذا التوجه إلى تحول جذري في مفهوم الاتصال؛ فالمستهلك لم يعد يقيّم العروض بناءً على السرعة القصوى أو المزايا الإضافية فحسب، بل أصبح السؤال المحوري هو: “هل تعمل الخدمة بكفاءة عندما أحتاجها؟”.
تطور توقعات المستهلكين إلى الاتصال المتمايز
في مقابلة مع “الشرق الأوسط”، أوضح هكان سيرفيل، رئيس “إريكسون” السعودية، أن توقعات المستهلكين تتطور بشكل مستمر، مما يجعل الاتصال المتمايز رافعة استراتيجية رئيسية في سوق يتسم بالمنافسة الشديدة.
يعني الاتصال المتمايز تصميم أداء الشبكة ليناسب احتياجات تطبيقات وحالات استخدام محددة، بدلاً من تقديم حل واحد يناسب الجميع. هذا التميز لم يعد رفاهية، بل أصبح ضرورة للبقاء في الطليعة.
عائدات الأداء المضمون: استثمار مجدٍ
لا يقتصر تأثير هذه التحولات على تجربة المستخدم فحسب، بل يمتد ليشمل النموذج التجاري للمشغلين. وتشير تقديرات “إريكسون” إلى أن استغلال هذا الطلب المتزايد على الأداء الأفضل يمكن أن يحقق للمشغلين زيادة تصل إلى شهرين إضافيين في متوسط العائد لكل مستخدم سنوياً (ARPU).
في السوق السعودية، التي وصفها سيرفيل بأنها تواجه “إيرادات مسطحة”، لا تُعد هذه الزيادة هامشية. إنها تمثل، بحسب قوله، “حافزاً مالياً كبيراً” يبرر الاستثمار في عروض الاتصال المتمايز، خاصة وأن هذه الإيرادات الجديدة لا تزال متاحة.
يبرز هذا التحول أيضاً في كيفية تقييم المستهلكين لشركات الاتصالات. فقد ذكر سيرفيل أن جودة الشبكة المضمونة، بما في ذلك تعزيزات الشبكة والباقات المحسّنة، أصبحت أكثر أهمية بـ1.5 مرة من المزايا الإضافية والمحتوى المجمّع على المستوى العالمي. وهذا يعني أن العناصر التي كانت تستخدم تقليدياً لتمييز العروض، مثل المحتوى الترفيهي أو الامتيازات الإضافية، لم تعد كافية وحدها لكسب ولاء العملاء.
نضج الطلب على الأداء في سوق الجيل الخامس
تكشف دراسة “إريكسون” أن حوالي ثلثي مستخدمي الجيل الخامس في السعودية يفضلون دفع المزيد مقابل جودة شبكة أفضل، بدلاً من اختيار باقات منخفضة التكلفة تعتمد على مبدأ “أفضل جهد متاح”. هذه إشارة واضحة إلى أن السوق السعودية قد تدخل مرحلة جديدة من استخدامات الجيل الخامس، حيث لا يكون السعر هو العامل الحاسم الوحيد، بل الأداء الملموس والقابل للقياس.
يصف سيرفيل هذا التحول بأنه يعكس “ظهور قاعدة مستخدمين أكثر نضجاً، تقدر التحسينات الملموسة في الأداء أكثر من الأسعار المنخفضة”. هذا النضج يظهر أيضاً في العوامل التي تشكل رضا المستخدم عن الشبكة.
مقارنة بعام 2023، أصبحت أداء الألعاب، واستجابة تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وعمر البطارية، والتغطية داخل المنزل، واتساق الشبكة، كلها عوامل أكثر أهمية في تشكيل الرضا العام عن الخدمة. لم يعد المستخدم يحكم على الشبكة فقط وفقاً لاختبار سرعة أو وعد تسويقي، بل وفقاً لاستقرار الأداء عند ازدحام الشبكة أو عند الاعتماد عليها في لحظة حرجة. وهذا يدعم أهمية الأداء المضمون.
نماذج أعمال جديدة ومنصات الأداء
يفتح هذا التحول الباب أمام نماذج تجارية جديدة. فمن الأمثلة التي يطرحها سيرفيل، تمكين المشغلين من تعزيز الاتصال لمنشئي المحتوى أثناء البث المباشر للحفلات أو المباريات الرياضية، أو توفير مستويات أداء مضمونة للتنفيذيين في مراكز النقل المزدحمة. أصبحت الشبكة أداة لتقديم خدمات مرتبطة بالسياق والمكان ونوع الاستخدام.
تزيد هذه الرؤية وضوحاً مع نتيجة أخرى في الدراسة تشير إلى أن أكثر من ربع المستهلكين يفضلون أن يكون الأداء المضمون مدمجاً مباشرة داخل التطبيقات نفسها. هذا لا يحسن تجربة المستخدم النهائي فحسب، بل يشير إلى نموذج أعمال يعتمد على المنصات وواجهات البرمجة (APIs) أكثر مما يعتمد على بيع البيانات المحمولة التقليدية.
يرى سيرفيل في ذلك فرصة للمشغلين للانتقال من عروض النطاق العريض المحمول الحالية إلى نماذج أعمال قائمة على المنصات. ومن خلال كشف قدرات الشبكة عبر واجهات البرمجة، يمكن للمشغلين تمكين مطوري التطبيقات من تصميم وبيع تجارب عالية الأداء، مما يخلق تدفقات إيرادات جديدة من نموذج “B2B2C” ويعزز التعاون داخل المنظومة الرقمية.
الجيل الخامس المستقل كبنية تحتية أساسية
من وجهة نظر سيرفيل، يعد الجيل الخامس المستقل (5G Standalone) عنصراً أساسياً لتمكين الاتصال المتمايز، حيث يتيح تجزئة الشبكة (network slicing). بدلاً من نموذج شبكة واحدة تخدم جميع الاستخدامات بنفس الطريقة، يصبح من الممكن تخصيص “شرائح” مختلفة من الشبكة لاحتياجات متنوعة.
يصف سيرفيل ذلك بأنه “خطوة مهمة” للمشغلين الذين يسعون لتقديم خدمات غامرة وذكية سياقياً، وتلبية المتطلبات المتنوعة والقاسية لتطبيقات الجيل القادم المعتمدة على الذكاء الاصطناعي.
تأثير الذكاء الاصطناعي المتزايد
يدخل الذكاء الاصطناعي كمحرك رئيسي لتغير توقعات الأداء. تتوقع الدراسة تضاعف تبني الذكاء الاصطناعي متعدد الوسائط بين المستهلكين السعوديين بحلول عام 2030، من 19% إلى 36%. هذا لا يعني فقط زيادة عدد المستخدمين، بل تغيراً في طبيعة التفاعل نفسه، بحيث يصبح أكثر تكاملاً بين النص والصوت والصورة والفيديو.
يفيد سيرفيل بأن هذا التحول يعكس توجهاً أوسع نحو “نمط أكثر تكاملاً وشبيه بالتفاعل البشري مع الذكاء الاصطناعي”، مما يتطلب أنظمة قادرة على فهم السياق، بما في ذلك الموقع الجغرافي للمستخدم، ونشاطه، ونواياه، وحتى حالته العاطفية.
مع انتقال استخدامات الذكاء الاصطناعي بشكل متزايد خارج المنزل، تزداد الضغوط على بنية الشبكات المحمولة. لن تحتاج الشبكات إلى سرعات أعلى فحسب، بل إلى زمن استجابة منخفض جداً، وعرض نطاق ترددي مضمون، وأمن معزز، وتحليلات في الوقت الفعلي، وكفاءة عامة أفضل.
يضيف سيرفيل نقطة تقنية مهمة، وهي أن “الرفع” (uplink) قد يكتسب أهمية أكبر مستقبلاً، لا مجرد التنزيل، مع نضوج المنظومة الجديدة من التطبيقات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي. وهذا يتطلب بنية تحتية قوية لدعم هذه العمليات.
مستقبل الاتصال المضمون: من التميز إلى الأساس
لا يبدو الحديث عن الاتصال المضمون مجرد أداة تسعير قصيرة الأجل. تصف الدراسة هذه الاستراتيجية بأنها “استراتيجية علامة تجارية طويلة الأمد”. تدعم هذا الطرح بيانات عالمية تشير إلى أن المستخدمين المشتركين في باقات الأداء المحسّن يسجلون تحسناً بنسبة 46% في نظرتهم إلى العلامة التجارية، وارتفاعاً بنسبة 18% في مستوى الرضا.
ومع ذلك، يبقى هناك سؤال حول مدى قدرة هذا النوع من الاتصال المتدرج حسب الأداء على توسيع الفجوة الرقمية. يوضح سيرفيل أن النموذج لا يقوم على إزالة الحد الأدنى من الخدمة، بل على إضافة طبقات اختيارية مدفوعة لمن يرغب بها. وتشير الدراسة نفسها إلى أن 36% من المستخدمين ما زالوا يختارون باقات الجيل الخامس القائمة على “أفضل جهد متاح”، مما يدل على استمرار وجود سوق للاتصال الأساسي منخفض التكلفة.
يتوقع سيرفيل أن يصبح الاتصال المضمون “توقعاً أساسياً” و”عنصراً جوهرياً” في عروض مزودي الخدمة، خاصة مع تصاعد متطلبات التطبيقات الجديدة المدفوعة بالذكاء الاصطناعي. في ضوء ذلك، قد لا يكون السؤال الأساسي في المرحلة المقبلة هو من يقدم أسرع شبكة على الورق، بل من يستطيع أن يحول الأداء الموثوق والقابل للقياس إلى تجربة يومية ملموسة للمستخدم.
