في عالمنا الرقمي المتسارع، تتحول حياتنا اليومية بشكل متزايد إلى سجل مفتوح، حيث تقوم أجهزتنا الذكية، من الهواتف إلى السيارات، بتسجيل أدق تفاصيل تحركاتنا. يكشف كتاب جديد صدر حديثاً عن جامعة نيويورك، بعنوان «بياناتك ستُستخدم ضدك: العمل الشرطي في عصر المراقبة الذاتية» لأندرو غوثري فيرغسون، كيف تحولت “إنترنت الأشياء” إلى شبكة مراقبة واسعة، تحول أجهزتنا الشخصية إلى أدوات استخبارات رقمية.
يتناول الكتاب مفهوم “المراقبة الحسية” (مراقبة أدوات الاستشعار)، مفصلاً الآليات التكنولوجية التي تمكن أجهزة إنفاذ القانون من إعادة توظيف التكنولوجيا الاستهلاكية كأدوات فاعلة للتحقيق والسيطرة. هذه الأدوات، مثل “مخزن غوغل للاستشعار” ومذكرات التفتيش ضمن نطاق جغرافي محدد، تتيح تتبع الأفراد بناءً على بيانات الهواتف الذكية والسيارات المتصلة.
“المراقبة الحسية”: تحويل الحياة اليومية إلى سجل رقمي
تُعد “المراقبة الحسية” ظاهرة متنامية، حيث أصبحت أجهزتنا اليومية، التي كانت في الماضي مجرد أدوات بسيطة، قادرة على جمع وتحليل كميات هائلة من البيانات. هذه البيانات، التي تشمل الموقع، السرعة، وحتى الأنماط السلوكية، تُشكل أدلة رقمية قوية يمكن استخدامها في التحقيقات الجنائية.
حوادث كشفت عنها بيانات المستشعرات
يوضح الكتاب أمثلة واقعية لكيفية استخدام الشرطة لهذه التقنيات. ففي حادثة سطو على بنك في فرجينيا، تمكنت الشرطة من تحديد هوية اللص بعد طلب معلومات من “غوغل” حول الهواتف المتواجدة بالقرب من موقع الجريمة وقت وقوعها. كما أدت بيانات السيارة التي أبلغت تلقائيًا عن حادث اصطدام إلى توجيه تهمة لمواطنة تركت مكان الحادث.
إنترنت الأشياء: شبكة واسعة من أدوات المراقبة
لقد تجاوز مفهوم “إنترنت الأشياء”، الذي صاغه كيفن أشتون، رؤيته الأولية بكثير. اليوم، يشمل هذا المفهوم مجموعة واسعة من الأجهزة المزودة بمستشعرات واتصالات شبكية، والتي تجمع بيانات حول الحركة، الحرارة، الضغط، والموقع. هذه البيانات، التي تشمل معلومات من نظام تحديد المواقع العالمي (GPS) وشبكات الواي فاي والبلوتوث، تُشكل نظام مراقبة شاملاً.
تُعرف هذه الظاهرة بـ “المراقبة الاستشعارية”، وهي أصبحت الوضع الافتراضي في العديد من الدول المتقدمة. فالهواتف الذكية، على وجه الخصوص، أصبحت أداة قوية لجمع البيانات، حيث تسجل شركات الاتصالات مواقع مستخدميها باستمرار.
شبكات مراقبة الهواتف المحمولة
تُعد شركات الاتصالات على دراية تامة بمواقع مستخدميها من خلال أبراج الاتصالات، وهذه المعلومات، المعروفة باسم (CSLI)، يمكن أن تكشف عن هوية الأفراد. لكن الهواتف الذكية توفر أكثر من ذلك؛ فمن خلال خدمات مثل “مخزن المستشعرات” من “غوغل”، يتم جمع بيانات من مصادر متعددة لتحديد موقع الهاتف بدقة فائقة.
على الرغم من إعلان “غوغل” في عام 2024 عن تغيير سياستها لتخزين بيانات الموقع على الأجهزة الفردية بدلاً من السحابة، مما يزيد من صعوبة وصول الشرطة إلى هذه البيانات، إلا أن إمكانية الوصول إليها من خلال مذكرات قضائية تبقى قائمة. هذا التغيير، وإن كان إيجابيًا لحماية الخصوصية، يظل قابلاً للتراجع.
بيانات السيارات: سجل رقمي للمسؤولية
تُشكل السيارات الحديثة هي الأخرى مصدرًا غنيًا للبيانات. يمكن لأجهزة استخراج البيانات المحمولة جمع معلومات حول سرعة السيارة، وقت انفتاح الوسائد الهوائية، واستخدام المكابح، وموقعها. بالإضافة إلى ذلك، تقوم أنظمة القياس عن بُعد المدمجة في السيارات بمشاركة معلومات مع جهات خارجية، بما في ذلك تفاصيل عن سرعة السيارة، التسارع، والكبح. وتذهب بعض شركات السيارات إلى جمع بيانات شديدة الحساسية مثل “النشاط الجنسي” و”بيانات التشخيص الصحي”.
حماية الخصوصية في عصر المراقبة
تُشكل هذه الثورة في “المراقبة الحسية” تحديًا كبيرًا للخصوصية. فقد تحول تتبع الأفراد من عملية تتطلب زرع أجهزة تجسس إلى عملية سهلة تعتمد على الأجهزة التي نحملها ونستخدمها يوميًا. ورغم إمكانية العودة إلى استخدام الخرائط الورقية، إلا أن هذا الحل غير عملي لمعظم الناس.
هناك حلول تكنولوجية يمكن أن تساهم في حماية الخصوصية، مثل تخزين البيانات على الأجهزة نفسها بدلاً من مواقع مركزية، كما هو الحال مع خاصية التعرف على الوجه في هواتف “آبل آيفون”. ومع ذلك، حتى البيانات المخزنة محليًا قد تصبح متاحة للشرطة بموجب أمر قضائي.
تكمن معضلة العصر الرقمي في عدم القدرة على تجنب إنشاء البيانات، والتي بمجرد إنشائها، تصبح متاحة لأغراض قانونية. والسؤال المطروح هو ما إذا كانت هذه السلطة الهائلة، والتي يُحتمل إساءة استخدامها، سيتم تقنينها لحماية حقوق الأفراد في عصر تتزايد فيه المراقبة.
يبدو أن المدى القصير سيشهد جدلاً متصاعدًا حول التوازن بين الأمن والخصوصية، مع التركيز على دور الشركات في حماية بيانات المستخدمين واحتمالية وضع تشريعات جديدة لتنظيم استخدام هذه التكنولوجيا. يبقى التحدي الأكبر هو كيفية تطوير حلول تكنولوجية وقانونية تواكب التطور المتسارع لهذه التقنيات.
