في خضم تصاعد المخاوف العالمية تجاه الأدواء الفيروسية المستجدة، أعاد تفشي فيروس «هانتا» على سفينة سياحية دشنت رحلتها من الأرجنتين إلى الرأس الأخضر، إثارة التساؤلات حول إمكانية تحول هذا الفيروس إلى جائحة عالمية شبيهة بـ«كوفيد-19»، خاصة بعد أن سجل الحادث ثلاث وفيات وعدد من الإصابات المؤكدة بين الركاب.
في حين سارعت منظمة الصحة العالمية للتأكيد أن الوضع لا يمثل «بداية جائحة» أو «وباءً»، وأن خطر الانتشار الواسع ما زال محدوداً، إلا أن ظهور سلالة «الأنديز» – المعروفة بقدرتها على الانتقال من إنسان لآخر – يثير قلق الأوساط الصحية، لا سيما في ظل تنقل الركاب بين عدة دول قبل اكتشاف الإصابات.
فيروس «هانتا» هو مجموعة فيروسية تنتقل أساساً من القوارض إلى البشر، مسببة أمراضاً تؤثر على الجهاز التنفسي أو الكلى بدرجات متفاوتة من الخطورة. وتحدث العدوى غالباً عبر استنشاق جزيئات ملوثة بفضلات أو بول أو لعاب القوارض المصابة، خاصة في الأماكن المغلقة ذات التهوية الضعيفة. كما يمكن أن تنتقل عبر لمس الأسطح الملوثة ومنها إلى الأنف أو الفم، وفي حالات نادرة عبر عضات القوارض.
هل يتحول فيروس هانتا إلى جائحة عالمية؟
معظم سلالات فيروس «هانتا» لا تنتقل بين البشر، إلا أن سلالة «الأنديز» المنتشرة في أميركا الجنوبية تُعد الاستثناء الوحيد المعروف بقدرتها على الانتقال من شخص لآخر عبر المخالطة الوثيقة. في الوقت الذي أكدت فيه منظمة الصحة العالمية عدم العثور على أي قوارض على متن السفينة، فإن هذا التفشي المحدود يضع العالم مجدداً أمام اختبار لمدى سرعة الاستجابة وكفاءة أنظمة المراقبة الصحية.
يقول الدكتور ويليام شافنر، اختصاصي الأمراض المعدية، إن فيروسات «هانتا» تنتقل عادة عبر ملامسة بول أو براز القوارض الصغيرة، وأن معظم سلالاته لا تنتقل من شخص لآخر. لكنه أشار إلى أن السلالة المرتبطة بالتفشي الحالي على متن السفينة السياحية مختلفة، حيث تمتلك القدرة على الانتقال بين البشر، وهي سلالة «الأنديز» المنتشرة في أميركا الجنوبية.
وأضاف شافنر أن التفشي الحالي لا يزال محصوراً في عدد محدود من ركاب السفينة، ورغم احتمال تسجيل إصابات إضافية، فإنه من غير المرجح أن ينتشر الفيروس على نطاق واسع. وأكد أن الوضع الحالي لن يتحول إلى جائحة أخرى مثل «كوفيد-19»، مشيراً إلى أن فيروسات «هانتا» معروفة منذ فترة طويلة وليست فيروسات جديدة، كما أنها مستقرة جينياً ولا تتحور بسهولة.
من جهته، أكد الدكتور مجدي بدران، استشاري الحساسية والمناعة، أن فيروس «هانتا» يُعد من الفيروسات الخطيرة التي قد ترتفع لديها معدلات الوفاة في بعض الحالات، لكنه لا يمتلك حالياً الخصائص الوبائية التي تجعله قادراً على التحول إلى جائحة عالمية واسعة الانتشار مثل فيروس كورونا. وأوضح أن معظم الإصابات تحدث نتيجة التعرض لبول القوارض أو فضلاتها، بينما يظل انتقال العدوى بين البشر نادراً للغاية ومحصوراً في ظروف محددة.
وأشار بدران إلى أنه لا توجد حتى الآن أدلة علمية مؤكدة على ظهور طفرات جديدة في فيروس «هانتا» تزيد من قدرته على الانتقال الفعّال بين البشر، مؤكداً أن «الفيروس لا يتمتع بسرعة انتشار عالية أو قدرة وبائية واسعة». ولفت إلى أن «فيروس الأنديز» في أميركا الجنوبية يعد السلالة الوحيدة المعروفة التي ثبتت قدرتها المحدودة على الانتقال من شخص لآخر، إلا أن هذا الانتقال يحدث بشكل نادر جداً، وغالباً بعد مخالطة وثيقة ومطولة.
وأضاف بدران أن «التاريخ سجل بالفعل حالات انتقال محدودة ومؤكدة للفيروس بين البشر، خصوصاً في الأرجنتين وتشيلي، لكن التحقيقات الوبائية أظهرت أن سلاسل العدوى كانت قصيرة ومحدودة، ولم تتطور إلى انتقال مجتمعي واسع أو مستدام كما حدث مع (كوفيد-19)». وأوضح أن هناك عوامل عدة تمنع فيروس «هانتا» حالياً من التحول إلى وباء عالمي سريع الانتشار، أبرزها أن الفيروس يعتمد أساساً على القوارض كعائل طبيعي، كما أن معظم سلالاته لا تمتلك قدرة عالية على الانتشار عبر الهواء، وضعف كفاءة انتقال العدوى بين البشر.
وبيّن أن شدة المرض نفسها قد تحد من انتشاره؛ إذ تؤدي الأعراض القوية إلى تقليل حركة المصابين واختلاطهم بالآخرين. وأكد بدران أن المخاوف من حدوث «كورونا جديد» لا تدعمها أي مبررات علمية كافية. بينما يشير الدكتور إسلام عنان، أستاذ اقتصاديات الصحة وعلم انتشار الأوبئة بجامعة مصر الدولية، إلى أن فيروس «هانتا» يصنف على أنه خطر وبائي محتمل.
ويضيف عنان أن «بدايات اكتشاف المرض تعود إلى خمسينات القرن الماضي، خلال الحرب الكورية، فيما تمكن العلماء من عزل الفيروس معملياً عام 1978». وعاد الفيروس للواجهة بقوة عام 1993، بعد اكتشاف سلالة شديدة الخطورة في الولايات المتحدة، وصلت معدلات الوفاة فيها إلى نحو 50 في المائة، وكانت العدوى تقتصر على الانتقال من القوارض إلى الإنسان.
وتابع عنان أن «التحول الأبرز حدث عام 1995 مع ظهور سلالة (الأنديز) في أميركا الجنوبية، وهي السلالة الوحيدة المعروفة بقدرتها على الانتقال من إنسان إلى آخر، وهي السلالة المرتبطة بالتفشي الذي شهدته السفينة السياحية مؤخراً». وأوضح أن «العدوى تنتقل إلى الإنسان غالباً عبر استنشاق جزيئات ملوثة ببول أو براز القوارض، خصوصاً بعد جفاف هذه المخلفات وتحولها جسيمات دقيقة قابلة للانتشار في الهواء».
وعن احتمالات تحول الفيروس إلى وباء عالمي، يشير عنان إلى أنه رغم تأكيد منظمة الصحة العالمية أن مستوى الخطر العالمي لا يزال منخفضاً، فإن هناك مخاوف متزايدة من تأثيرات التغير المناخي، وخصوصاً مع احتمال تسبب ارتفاع درجات الحرارة في اتساع نطاق انتشار القوارض الحاملة للفيروس. وفيما يتعلق بالعلاج، أوضح أنه «لا يوجد حتى الآن علاج نوعي مخصص لفيروس (هانتا)؛ إذ تعتمد الرعاية الطبية الحالية على علاج الأعراض وتقديم الرعاية الداعمة، مع إمكانية استخدام بعض مضادات الفيروسات في حالات محددة».
ولفت عنان إلى عدم توفر لقاح معتمد للمرض حتى الآن، إلا أن هناك لقاحات عدة لا تزال قيد التطوير والدراسة. وتشير التحقيقات الوبائية الجارية إلى أن الوضع ما زال تحت السيطرة، ولكن يتم رصد أي تطورات مستقبلية عن كثب.
