إبراهيم معلوف: موسيقى “لقاء العوالم” تتجاوز الحدود بلغة مشتركة
يُعيد العازف اللبناني العالمي إبراهيم معلوف رسم خريطة الموسيقى المعاصرة عبر تعاونه الجديد الذي يجمع بين إيقاعات البوب العالمي، وكلمات الراب الأميركي، ونفحاته الشرقية الأصيلة. هذا المشروع الفني، الذي يحمل عنوان “لقاء العوالم”، لا يمثل مجرد تلاقي لأساليب موسيقية مختلفة، بل هو دعوة صريحة لاستكشاف إمكانية تحول الحدود الفنية إلى جسور للتفاهم والإبداع المشترك. يسعى معلوف من خلال هذا العمل إلى طرح سؤال جوهري حول قدرة الفنان على الاحتفاظ بكيانه وهويته الصوتية مع الانفتاح على عوالم موسيقية جديدة، خالقاً بذلك لغة فنية عالمية تتجاوز الاختلافات الثقافية والجغرافية.
في حوار مع صحيفة “الشرق الأوسط”، وصف معلوف جذور هذا التعاون بأنها انبثقت “ببساطة وبشكل طبيعي” مدفوعة بفضول متبادل ورغبة صادقة في اللقاء الفني. وأكد أن العملية لم تكن وليدة حسابات معقدة أو تخطيط مسبق، بل شعور بأن لا تصوّرات مسبقة ولا حواجز تمنع المتفاعلين من إخراج شيء حقيقي. بالنسبة لمعلوف، بعض اللقاءات الفنية تمتلك إمكاناتها الكامنة وتكشف عن ذاتها منذ النغمة الأولى، مما يجعلها جديرة بالتحول إلى عمل فني متكامل.
الهوية الموسيقية كحوار لا قلعة من الحجر
لا ينظر معلوف إلى التعاون الفني على أنه ساحة للصراع على النفوذ أو مساحة للدفاع عن الهوية كحصن منيع. بل يراها فرصة سانحة للحوار الموسيقي. “حين أدخل تجربة مشتركة”، كما يقول، “لا أسعى لفرض حضوري أو التراجع حتى الاختفاء، بل أبدأ بالإصغاء”. من هذا الإصغاء، تتشكل “مساحة ثالثة” تسمح للجميع بالتنازل قليلاً عن مواقعهم دون التخلي عن هوياتهم الصوتية. ويرى معلوف أن هذه المنطقة الرقيقة، حيث تتزحزح الحدود دون أن تُمحى، هي بحد ذاتها معجزة موسيقية صغيرة.
يأتي معلوف من خلفية موسيقية مشبعة بطبقات الهوية والذاكرة والتكوين الدقيق، بينما ينتمي العمل الفني الجديد إلى عصر موسيقي يعتمد على السرعة والانتشار الواسع. لكن معلوف لا يرى في هذا تضاداً حتمياً بين العمق والسرعة. “بالنسبة إلي، العمق لا يرتبط بالشكل أو سرعة الانتشار، بل بالنية”، يوضح. يستحضر معلوف نشأته في بيئة موسيقية صارمة، تجمع بين الموسيقى الكلاسيكية والمسابقات العالمية والعمل مع أوركسترات وقادة بارزين، ثم يضع إلى جانبها فضوله المستمر تجاه الجاز، والراب، والبوب، والموسيقى التقليدية من مختلف أنحاء العالم. هذا المزيج هو ما صاغ هويته الفنية، وهو ما يسعى لتقديمه حتى في إطار سريع، كشيء نابع من الداخل وراسخ في جوهره.
“لقاء العوالم” كاستمرار طبيعي و”لحظة حرة”
لا يصنف معلوف هذا التعاون كتحول جذري مفاجئ، بل يصفه بأنه “لحظة حرة” بحد ذاتها، وفي الوقت ذاته امتداد طبيعي لمسار لطالما دفعه نحو آفاق غير متوقعة للجمهور. فالانفتاح، بالنسبة له، ليس خطة مدروسة بقدر ما هو أسلوب حياة. لذلك، لا يتعامل مع التجربة على أنها قطيعة مع الماضي أو بداية انقلاب في مساره المهني، بل هي حلقة إضافية في طريق مفتوح لاحتمالات لا نهائية.
يعترف معلوف بأن كل لقاء يترك بصمة لدى صاحبه. وهذه التجربة، كما يقول، ذكّرته بقدرة الموسيقى على أن تكون مباشرة وغريزية، قادرة على اختصار المسافات بين عوالم شديدة الاختلاف. قد يأتي الفنانون من لغات موسيقية متباعدة، إلا أنهم يلتقطون الإشارة بسرعة كبيرة حين تكون النية واضحة وصادقة. وهذا في نظره سبب إضافي للاستمرار في الانفتاح دون فرض قيود على النفس بأن هناك مساحة فنية لا تخصه.
من حميمية الاستوديو إلى طقس جماهيري واسع
على الطرف الآخر من هذا المشروع، يستعد معلوف لحفل ضخم في باريس عام 2027، سيشهد حضور عشرات الآلاف من المتفرجين. هذا الانتقال ينقل الموسيقى من حميمية الاستوديو إلى طقس جماعي هائل. يصف معلوف هذا التحول بأنه قوي، حيث تتسع اللحظة التي تبدأ داخلية وصغيرة لتصبح تجربة مشتركة واسعة على المسرح. ومع ذلك، يبقى الهدف الأساسي هو وصول الإحساس الحقيقي، سواء إلى مستمع واحد أو إلى جمهور غفير.
لا يخفي معلوف قلقه من ضخامة العروض، متسائلاً عما إذا كانت الصورة قد تبتلع الصوت. ويجيب بأن المفتاح يكمن في التوازن. فالصورة، في رأيه، يمكن أن تخدم الموسيقى طالما لا تطغى عليها. “الأهم أن يبقى الفنان يقظًا ومتواضعًا، ويتذكر سبب وجوده على الخشبة. حين تظل الموسيقى في المركز، تصبح العناصر الأخرى سندًا لها، وليست عبئًا عليها”، يؤكد معلوف.
يهدف إبراهيم معلوف من خلال هذا العمل إلى ترسيخ معنى الانفتاح، وإدراك المستمعين بأن الحدود بين الأنماط الموسيقية ليست ثابتة. “لقاء العوالم المختلفة قادر على خلق لغة جديدة دون خوف أو أحكام مسبقة”، يختتم معلوف، مؤكداً على قوة الموسيقى في جمع الشعوب وفتح آفاق جديدة للفهم المتبادل.
