ندى أبو فرحات وإيلي كمال: شراكة فنية وزوجية تضيء خشبة المسرح

تتوارى خلف الستارة، تستعد لدخول عالمٍ آخر. الممثلة ندى أبو فرحات، المعروفة بأعمالها السينمائية والتلفزيونية، تعيش حالياً فترة ازدهار مسرحي، لتؤكد على لقب “ابنة المسرح” الذي تحتل مكانة رفيعة في قلب كل فنان. وعلى مسافةٍ من الأضواء، يتابع المخرج والكاتب إيلي كمال، زوجها، التحضيرات بصمتٍ وترقب، شغفه يتجسد في هذا التناغم بين الحب والفن الذي يجمعهما.

تجسد هذه الشراكة الفنية والزوجية قصة فريدة، نشأت مع اللقاء الأول عام 2012 خلال تصوير أحد الأفلام، وتتوج اليوم بأحدث أعمالهما المسرحية، “حَنّة”. يعمل الثنائي، الذي رزق بابنهما نَدي الذي بدأ يخوض تجربته التمثيلية، بخطين متوازيين من الحب والإبداع، حيث يلتقي شغفهما المشترك في صناعة فنٍ أصيل.

شراكةٌ تتجاوز الكواليس

لم يكن اختيار المخرج إيلي كمال للممثلة ندى أبو فرحات لأداء شخصية “حَنّة” وليد الصدفة الزوجية، بل هو اعترافٌ صريح بقدراتها المهنية. يؤكد كمال في حوارٍ مع “الشرق الأوسط” أن أبو فرحات ستكون دوماً من خياراته الأولى في المهنة، مشيراً إلى أن “العمل معها محترف ومنضبط”. هذا التقدير المتبادل ينسجم مع إعجاب أبو فرحات بزوجها، الذي تصفه بـ”المثقف والقارئ النهم”، وتثني على قدرته على سكب أفكاره ببراعة على الورق، مع لمسة فكاهة خاصة تتناغم مع أسلوبه المهذب والمحترم في العمل.

هذه النظرة الإيجابية لم تتغير منذ لقائهما الأول قبل ما يزيد عن 14 عاماً، عندما عرض عليها التمثيل في فيلمه القصير “ثلج”. بدأت شرارة الإعجاب تتوهج بينهما، لتتطور إلى علاقة حب قوية، يكللها اليوم زواج ناجح وناجح على الصعيدين الشخصي والفني.

تطورٌ في العمل المسرحي المشترك

على مدار سنوات، سار كلٌ من إيلي كمال وندى أبو فرحات في مسيرته المهنية الخاصة. كمال، ترك بصمته في عالم الأفلام القصيرة والطويلة والوثائقية والإعلانية، إلى جانب المسرح. في المقابل، واصلت أبو فرحات عطاءاتها السينمائية والتلفزيونية والمسرحية. وعلى فترات متباعدة، تلاقت دروبهما الفنية، كما حدث في مسرحية “مجنون يحكي” وفيلم “تانغو الثورة”.

لكن السنوات القليلة الماضية شهدت تحولاً ملحوظاً نحو زيادة وتيرة التعاون الفني بينهما. شاركت أبو فرحات في ثلاثٍ من مسرحيات زوجها: “لغم أرضي” عام 2018، و”آخدة كسرة” عام 2025، ومسرحية “حَنّة” التي تشهد إقبالاً جماهيرياً في بيروت حالياً. وتتطلع الأسرة الفنية حالياً إلى إنجاز “مشروع الحلم”، المسرحية الرابعة التي يصفها الثنائي بأنهما يعملان على جاهزية نصه والتحضير له.

تحدياتٌ تواجه الإبداع في لبنان

يمثل التخطيط لأي مشروع فني في لبنان، وخاصة المسرحي، رحلة محفوفة بالتحديات. واجه كمال وأبو فرحات وفريق عمل مسرحية “حَنّة” غارات إسرائيلية أثناء التدريبات، مما استدعى أحياناً إجراؤها في المنزل لضيق إمكانيات التنقل. وفي هذا السياق، يشير كمال إلى أن “على عكس السينما، لا يتوقف العمل في المسرح”، مؤكداً أن “كل عرض هو بمثابة عرضٍ جديد، وأن التشذيب اليومي ضروري”.

“حَنّة”: كوميديا سوداء تعالج قضايا مجتمعية

في مسرحية “حَنّة”، يمزج إيلي كمال ببراعة بين الكوميديا السوداء والمحتوى التراجيدي، ليعالج قضية تمسّ قلبه وقلوب الكثيرين: سرقة أموال المودعين في لبنان. يعيد كمال طرح هذه المأساة، مسلطاً الضوء عليها هذه المرة بشكل كامل من خلال شخصية “حَنّة”، التي أصبحت رمزاً لكل المتضررين. ورغم المعالجة الجادة للقضية، تعتمد المسرحية على الضحكة والسخرية الهادفة لخلق تجربة مسرحية مؤثرة وخفيفة في آن واحد.

التعاون يثمر إبداعاً مشتركاً

عندما تلتقي مهنتا الزوج والزوجة في مكان واحد، كالمخرج والكاتب والممثلة، يبدو أن العمل الفني ينتقل إلى حياة الأسرة اليومية. يرى كمال أن هذا السيف ذو حدين، حيث قد تؤدي “حساسية الفنان وتركيبته القلقة” إلى بعض الاختلافات البسيطة، ولكنها غالباً ما تتضخم بالمشاعر الإيجابية. في حالة ندى أبو فرحات وإيلي كمال، يتجسد هذا التعاون في مشاركتهما في بناء الشخصيات، حيث ساهمت أبو فرحات في بلورة رؤية زوجها، ووصلا معاً إلى صيغة “أفضل بكثير مما تخيل”.

تستمد أبو فرحات إلهامها من محيطها، حيث “حَنّة” هي مزيج من ثلاثة أشخاص تعرفهم جيداً: شخص مصاب بمتلازمة داون، ألهمها براءته وعفويته، والدة صديقتها التي استلهمت منها شكل “حَنّة” وتعابير وجهها وصوتها، وعمة صديقتها التي استمدت منها الجانب القاسي في الشخصية.

تمدد هذا التعاون ليشمل اختيار فريق الممثلين، حيث كانت لدى كمال أسماء في ذهنه، واقترحت أبو فرحات أسماء أخرى. وقد أبدع كل من سلمى شلبي، وكريم شبلي، وجويس أبو جودة، إلى جانب أبو فرحات، في أدائهم، مما أضفى على الخشبة حيوية وتناغماً جماعياً. يشير كمال إلى أن أبو فرحات “ضرورية” بالنسبة له، لأن “عفويتها وعاطفيتها تحققان التوازن” في عمله الذي يعتمد على التخطيط والمنطق. بدورها، تقدر أبو فرحات زوجها الكاتب الذي يسلمها أفكارها لتوضع على الورق، والمخرج الذي “يفتح آفاق الخيال والحرية لممثليه”. وتختتم أبو فرحات الحوار بما بدأه زوجها: “لو لم يكن إيلي زوجي، لكنت أحببت أن أعمل معه”.

شاركها.