التخلص من السمنة… انتكاسات بسبب «الذاكرة الشحمية»

نادراً ما يكون التغلب على السمنة أمراً سهلاً؛ فبالنسبة للكثيرين، حتى بعد فقدان الوزن بنجاح، يتبع ذلك صراع طويل الأمد لمنع عودة زيادة الوزن. وتشير الأبحاث الحديثة إلى أن الخلايا الدهنية قد تحتفظ بـ«ذاكرة» للسمنة، مما يعقد جهود الحفاظ على الوزن المنشود.

انتكاس السمنة

إن «انتكاس السمنة»، أو عودة الوزن الزائد بعد فقدانه، هو ظاهرة شائعة لدى العديد من الأفراد. وتشير دراسة حديثة أجراها باحثون بريطانيون ونُشرت في مجلة «تقارير إيمبو» (EMBO Reports) إلى أن الخلايا الدهنية قد تحتفظ بـ«ذاكرة» للحالة السابقة للسمنة لفترة طويلة بعد فقدان الوزن، مما قد يضعف الجهود المبذولة لتجنب استعادة الوزن.

وبحسب الدراسة، يمكن لبعض الخلايا المناعية أيضاً أن تحمل ذاكرة مستمرة للسمنة. وتشير هذه النتائج إلى أن «الذاكرة الشحمية» قد تبقي خطر عودة السمنة وأمراض مرتبطة بها مرتفعاً لمدة تصل إلى عشر سنوات بعد فقدان الوزن. وتتمثل الآلية المقترحة في «مثيلة الحمض النووي»، وهي عملية بيولوجية طبيعية تؤثر على نشاط الجينات.

تُعد السمنة اليوم مشكلة صحية عالمية رئيسية، وتتزايد معدلات انتشارها عالمياً. وتشهد سوق إدارة ومعالجة السمنة نمواً هائلاً، حيث يُتوقع أن تنتقل من قيمة سوقية تبلغ حوالي 30 مليار دولار أميركي في عام 2024 إلى أكثر من 100 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030. وتشير بعض التقديرات إلى أن قطاع إدارة الوزن الإجمالي قد يصل إلى أكثر من 390 مليار دولار أميركي بحلول عام 2035.

وتتجاوز التكاليف الاقتصادية للسمنة مجرد القيمة السوقية، فمن المتوقع أن تتجاوز التكاليف العالمية المرتبطة بالسمنة، بما في ذلك الرعاية الصحية والخسائر الإنتاجية، 4 تريليونات دولار أميركي بحلول عام 2035. وفي الولايات المتحدة وحدها، قُدرت التكاليف الطبية المرتبطة بالسمنة بنحو 173 مليار دولار أميركي سنوياً ابتداءً من عام 2019.

تُعرّف السمنة بأنها زيادة كتلة الشحوم في الجسم، وليست نتيجة لتراكم الماء أو زيادة حجم العضلات أو ثقل الهيكل العظمي أو أعضاء الجسم الرئيسية.

خصائص الأنسجة الشحمية

لفهم كيفية التعامل مع السمنة، يجب فهم الخلايا الدهنية، بما في ذلك أنواعها، وكيفية تراكم الدهون فيها، ووسائل تخفيفها، وآلية تفاعلها مع أنظمة الجسم الأخرى. ويتكون النسيج الدهني، أو شحوم الجسم، من خلايا دهنية وهو نسيج ضام ينتشر في جميع أنحاء الجسم، بما في ذلك تحت الجلد، وبين الأعضاء الداخلية، وحتى في تجاويف العظام.

تُعرف الأنسجة الشحمية بقدرتها على تخزين الدهون وإطلاقها عند الحاجة لإنتاج الطاقة. ومع ذلك، فإنها ليست مجرد مستودع خامل، بل هي نسيج ديناميكي يتواصل عبر إشارات هرمونية ولها وظائف مهمة في تنظيم صحة الجسم.

وظائف النسيج الشحمي

إضافة إلى تخزين الدهون، يقوم النسيج الشحمي بعدة وظائف حيوية:

  • العزل الحراري: تقلل طبقة الدهون تحت الجلد من فقدان الحرارة، مما يحافظ على درجة حرارة الجسم.
  • إنتاج الحرارة: خاصة في الخلايا الدهنية البنية.
  • حماية الأعضاء: تعمل الدهون الحشوية كممتص للصدمات لحماية الأعضاء الحيوية.
  • الغدد الصماء: يفرز النسيج الدهني هرمونات مهمة مثل اللبتين (للتحكم في الشهية) والأديبونكتين (لتنظيم مستوى الجلوكوز).

الخلايا الدهنية

الخلايا الدهنية هي خلايا متخصصة تخزن الطاقة على شكل دهون ثلاثية. خلال دورة حياتها، تعيد الخلايا الدهنية تدوير محتواها الدهني، وتستمر جزيئات الدهون فيها لمدة 18 شهراً تقريباً. يمكن لهذه الخلايا أن تتمدد بمقدار 3000 ضعف حجمها الطبيعي لتخزين كميات كبيرة من الطاقة.

يبقى عدد الخلايا الدهنية لدى البالغين ثابتاً بشكل عام. وعلى الرغم من أنها ليست خالدة، وتُستبدل بمعدل 10% سنوياً، فإن عددها يتحدد إلى حد كبير خلال الطفولة والمراهقة. عندما يكتسب البالغون وزناً، تتضخم الخلايا الدهنية الموجودة، وفي حالات السمنة المفرطة، تتكون خلايا دهنية جديدة.

عند اتباع أنظمة غذائية صارمة لإنقاص الوزن، يتقلص حجم الخلايا الدهنية ولكن لا يختفي عددها، مما يفسر سهولة استعادة الوزن. الخلايا الدهنية تبقى موجودة، في انتظار تخزين السعرات الحرارية الزائدة مرة أخرى.

أنواع الخلايا الدهنية

هناك ثلاثة أنواع رئيسية من الخلايا الدهنية في جسم الإنسان، لكل منها أماكن تراكم ووظائف وتأثيرات صحية متباينة:

  • الخلايا الدهنية البنية: مهمتها الرئيسية هي حرق الدهون لإنتاج الطاقة وتوليد الحرارة. وتنشط بشكل أساسي عند الأطفال الرضع، ويمكن تنشيطها لدى البالغين للمساعدة في إزالة السمنة.
  • الخلايا الدهنية البيضاء: النوع الأكثر شيوعاً، وتُشكل الشحوم البيضاء والصفراء. تحتوي على كتلة كبيرة من الدهون وتتفاعل مع هرمونات الإنسولين والهرمونات الجنسية وهرمونات التوتر.
  • الخلايا الدهنية البيج/الفاتحة: هي خلايا دهنية بيضاء تحولت إلى اللون البني عند تعرض الجسم للبرد لحرق المزيد من الدهون. يمكن تحفيزها عبر التمارين المكثفة، والتعرض للبرد، وتناول الخضراوات والأعشاب.

تراكم وحرق الشحوم

تشكل الشحوم البيضاء نحو 20% من كتلة الجسم لدى الذكور البالغين الأصحاء، و25% لدى الإناث، وتتراكم بشكل رئيسي تحت الجلد وفي منطقة الأرداف والفخذين. أما الشحوم الصفراء، وهي الأكثر ضرراً عند تراكمها حول الأعضاء الداخلية في البطن (الشحوم الحشوية)، فتمثل خطراً صحياً.

تُشكل الشحوم البنية نسبة قليلة لدى البالغين، ولكنها بكميات أكبر لدى الأطفال حديثي الولادة. وتتواجد لدى البالغين في مناطق معينة مثل الظهر بين الكتفين وحول العنق. وتشير بعض المصادر إلى أن هذه الكتلة الضئيلة من الشحوم البنية يمكن أن تحرق ما بين 400 و500 سعرة حرارية يومياً عند تنشيطها، مما يدعم خفض الوزن.

عند فقدان دهون الجسم، يتم ذلك بشكل أساسي عبر عملية تأكسد الدهون ضمن عمليات التمثيل الغذائي لإنتاج الطاقة، وينتج عن ذلك ثاني أكسيد الكربون والماء. ويخرج معظم ثاني أكسيد الكربون عبر التنفس، بينما يخرج الماء عن طريق العرق والبول. بمعنى آخر، الرئتان هما العضو الرئيسي لفقدان الدهون.

إن الطريقة الأكثر فاعلية للتخلص من الدهون هي حرقها عبر تناول سعرات حرارية أقل مما يحتاجه الجسم، مما يجبر الجسم على استخدام الدهون المخزنة كمصدر للطاقة. فعند حرق الدهون، يتقلص حجم الخلايا الدهنية ولكنها تبقى في الجسم، جاهزة لتخزين السعرات الحرارية مرة أخرى.

يشير فهم آلية «الذاكرة الشحمية» إلى أهمية تطوير استراتيجيات وقائية وعلاجية طويلة الأمد لإدارة السمنة، مع التركيز على الحفاظ على الوزن والصحة العامة. والخطوات المستقبلية قد تشمل بحوثاً أعمق لفهم هذه الذاكرة الخلوية وتطوير علاجات تستهدفها بشكل مباشر.

شاركها.