أثارت الإرشادات الغذائية الأمريكية الجديدة، التي صدرت في يناير الماضي، جدلاً واسعاً بين خبراء الصحة والتغذية، خاصة مع التغييرات التي طرأت على التوصيات التقليدية. وبينما رحب البعض بالتركيز الجديد على الأطعمة الكاملة وتجنب السكريات المضافة، أعرب آخرون عن قلقهم بشأن تجاهل بعض التوصيات العلمية الراسخة. هذا المقال يستعرض أبرز النقاط في الإرشادات الغذائية الأمريكية الجديدة، ويسلط الضوء على آراء الخبراء.

ما الجديد في الإرشادات الغذائية الأمريكية؟

عندما أصدرت الحكومة الأمريكية أحدث المراجعات لـ«الإرشادات الغذائية للأميركيين Dietary Guidelines for Americans»، تضمنت هذه الإرشادات تغييرات ملحوظة، أبرزها في مجال توصيات البروتينات والدهون. تم تقديم الهرم الغذائي الجديد بشكل مبتكر، مع التأكيد على مصادر معينة في بنية الهرم.

تغييرات رئيسية في الهرم الغذائي

تبرز التغييرات الرئيسية في توصيات تناول البروتينات اليومي، حيث تتصدر المصادر الحيوانية، مثل اللحوم، والدواجن، والمأكولات البحرية، والبيض والجبن، الأولويات. كما يروّج الهرم الغذائي الجديد لمنتجات الألبان كاملة الدسم (ثلاث حصص يومياً)، ويضيف الدهون الحيوانية، مثل الزبدة وشحم البقر إلى فئة «الدهون الصحية».

وتشير ديردري توبياس، الأستاذة المساعدة بمجال التغذية في كلية «تي إتش تشان» للصحة العامة بجامعة هارفارد، إلى أن الإرشادات أبقت على التوصية القديمة بضرورة ألا تتجاوز الدهون المشبعة نسبة 10 في المائة من كامل السعرات الحرارية أو أقل. وتوضح توبياس أن «وفرة المنتجات الحيوانية في الهرم الجديد تتناقض مع ذلك، مما يعرّض الناس لخطر تجاوز الحد المسموح به، إذ إن الدهون المشبعة تعدّ عامل خطر رئيساً للإصابة بأمراض القلب».

على الرغم من بعض التغييرات، تؤكد توبياس أن الكثير من الإرشادات لم تختلف كثيراً عن التوصيات السابقة، أو عما نصحت به اللجنة الاستشارية للإرشادات الغذائية (DGAC). وعلى سبيل المثال، لا تزال الفواكه والخضراوات تتبوأ مكانة بارزة في الهرم الغذائي، كما تنصح الإرشادات باختيار الحبوب الكاملة. وتقول توبياس: «لقد حافظوا على الحدود اليومية للصوديوم والدهون المشبعة، واستمروا في التأكيد على تناول الأطعمة الكاملة (غير المُصنعة)، وهذا الإطار الأساسي لما يشكل نظاماً غذائياً صحياً لدورات عدة من الإرشادات».

أولوية البروتينات في الإرشادات الغذائية الأمريكية الجديدة

تحث الإرشادات الجديدة على «منح الأولوية للبروتين في كل وجبة»، بهدف استهلاك ما بين 1.2 و1.6 غرام من البروتين لكل كيلوغرام من وزن الجسم يومياً، ما يصل إلى ضعف الحد الأدنى المحدد في «الكميات الغذائية الموصى بها» (RDA). ورغم أن زيادة البروتين قد تكون مفيدة لبعض الفئات، مثل كبار السن والرياضيين والأشخاص الذين يتناولون أدوية إنقاص الوزن، ترى تيريزا فونغ، الأستاذة المتفرغة بمجال التغذية في جامعة هارفارد، أن «أغلب الأميركيين يحصلون بالفعل على كفايتهم من البروتين».

البروتين: كم نحتاج وماذا نختار؟

وتشير فونغ إلى أن الأنظمة الغذائية الغنية باللحوم الحمراء لطالما ارتبطت بارتفاع مخاطر الإصابة بأمراض القلب وسرطان القولون والسكري. وبدلاً من الزيادة، تنصح فونغ بنقل بعض حصص البروتين من وجبة العشاء إلى الإفطار، عندما يحتاج الجسم إلى الوقود اللازم لقضاء كل اليوم، حيث يتناول الكثير من الأميركيين أكبر وجبة من البروتين في المساء.

وتنصح فونغ بضرورة التنويع في مصادر البروتين، مؤكدة أنه يمكن تلبية جميع احتياجاتك البروتينية من الأطعمة النباتية، سيما البقوليات. وتقول: «لا توجد حاجة فعلية إلى زيادة الاستهلاك من البروتين الحيواني»، كما أن اختيار المصادر النباتية يضمن حصولك على الألياف، وحمض الفوليك، والمغذيات النباتية، والتي تفتقر إليها الوجبات الأمريكية في الغالب.

الحليب كامل الدسم والدهون الحيوانية: نظرة نقدية

تطرح الإرشادات الغذائية الأمريكية الجديدة تساؤلات حول الحاجة إلى استهلاك كميات كبيرة من منتجات الألبان كاملة الدسم، وإدراج الدهون الحيوانية ضمن الدهون الصحية. ويرى الخبراء أن هناك خيارات أخرى قد تكون أكثر ملاءمة.

بدائل الألبان والدهون المشبعة

ترى فونغ أن استهلاك 3 أكواب من الحليب كامل الدسم يومياً يعود للتفضيل الشخصي، مشيرة إلى أن «هناك عدد لا بأس به من الأشخاص الذين يعانون عدم تحمل اللاكتوز، وآخرون لا يحبون الألبان ببساطة». وتضيف: «كل عنصر غذائي موجود في منتجات الألبان يمكن الحصول عليه من مصادر أخرى». فالخضراوات الورقية والبقوليات والتوفو تعد مصادر جيدة للكالسيوم، وكذلك البدائل النباتية المدعمة للحليب وعصير البرتقال (الذي غالباً ما يحتوي على فيتامين «دي» المضاف).

وثمة اعتبار آخر، وهو أن شرب هذه الكمية من الحليب كامل الدسم يضيف قدراً كبيراً من الدهون المشبعة إلى نظامك الغذائي (نحو 5 غرامات لكل كوب سعة 8 أونصات (نحو 240 مل)، وهو ما يقترب من الحد الأقصى اليومي البالغ 22 غراماً لنظام غذائي يحتوي على 2000 سعر حراري).

أما بخصوص شحم البقر والزبدة، فتقول توبياس إن الترويج لهذه الدهون المشبعة بكثافة بوصفها «صحية» يمثل تناقضاً آخر. وتوضح أن «تقليل الدهون المشبعة واستبدال الدهون المتعددة والأحادية غير المشبعة بتلك السعرات الحرارية، يرتبط باستمرار بانخفاض أمراض القلب والأوعية الدموية». وتعدّ الزيوت النباتية مصادر جيدة لهذه الدهون الصحية.

الحد من الكحول: توصيات واضحة

تقر توبياس بأن الإرشادات الجديدة استبدلت نصيحة عامة بالحدود المقررة سابقاً، تركز حول «استهلاك كميات أقل»، وهو ما تعدّه توجيهاً «غير قابل للتطبيق العملي بدقة». وترى أنه قد يكون من المنطقي الالتزام بالحدود السابقة، التي لا تتجاوز مشروبين يومياً للرجال ومشروباً واحداً للنساء.

ومن الواضح للغاية في الأدلة العلمية أن تجاوز هذه الحدود يرتبط بارتفاع مخاطر الإصابة بأمراض القلب أو السرطان أو الوفاة لأي سبب كان. وتترقب الجهات المعنية تطبيق هذه الإرشادات وتأثيرها على الصحة العامة.

شاركها.