كشفت دراسة حديثة صادرة عن جامعة تورنتو الكندية، ونُشرت في مجلة «علم نفس التواصل»، أن الأطفال قد يبدأون في إصدار أحكام أخلاقية بدائية على الشخصيات في عمر السنة تقريباً. وتشير النتائج إلى أن التفاعلات الاجتماعية المبكرة تلعب دوراً حاسماً في تشكيل هذه الأحكام الأخلاقية لدى الرضع، مما يمنحهم قدرة على تمييز السلوكيات المختلفة.
وكانت الأبحاث السابقة قد أشارت إلى قدرة الرضع على تكوين آراء حول الشخصيات بناءً على تفاعلات ثنائية واضحة، كشخصية مفيدة مقابل شخصية ضارة. إلا أن الدراسة الحالية وسعت هذا النطاق لتشمل تقييم قدرة الأطفال على توقع ردود الأفعال الأخلاقية للشخصيات المحايدة، وهي خطوة مهمة في فهم النمو المعرفي والإدراكي لديهم.
فهم الحكم الأخلاقي لدى الرضع
أجرى الباحثون في جامعة تورنتو تجارب على ما يقرب من 250 رضيعاً تتراوح أعمارهم بين 12 و24 شهراً، وهي الفئة العمرية التي تشير الدراسات السابقة إلى امتلاكها الحد الأدنى من القدرة على تقييم السلوكيات الأخلاقية. اعتمدت الدراسة على قياس مدة نظرة الرضع للأحداث، حيث يميل الأطفال إلى إطالة النظر للأشياء التي تثير اهتمامهم أو دهشتهم.
عُرض على الرضع مقاطع فيديو متحركة قصيرة تصور تفاعلات اجتماعية بين شخصيات مختلفة. تضمنت التجربة الأولى سيناريو يتضمن “ضحية” تتعرض للأذى من قبل “شخصية شريرة”، بينما تحاول “شخصية حامية” التدخل لإنقاذ الضحية. في المقابل، شاهد الرضع أيضاً سيناريو مشابهاً حيث تكون هناك “شخصية محايدة” تراقب الأحداث دون أي تدخل.
في مرحلة لاحقة، تم اختبار قدرة الرضع على توقع سلوك هذه الشخصيات في سياق أخلاقي مختلف. تم عرض سيناريو لتوزيع أربع حبات فراولة بين شخصيتين جديدتين، وتم قياس ردود فعل الرضع عند توزيع الفراولة بشكل عادل (ثمرتان لكل شخص) أو بشكل غير عادل (ثلاث حبات لشخص وحبة للآخر).
توقعات الرضع للسلوك العادل وغير العادل
وجدت الدراسة أن الرضع يميلون إلى إطالة النظر إلى المواقف التي تتعارض فيها تصرفات الشخصية مع السلوكيات التي شاهدوها سابقاً. توقع الرضع أن تقوم الشخصية الحامية بتوزيع الفراولة بشكل عادل، وأن تتصرف الضحية بنزاهة أيضاً. في المقابل، توقعوا أن تتصرف الشخصية الشريرة بظلم، وتقوم بتوزيع غير عادل.
أما بالنسبة للشخصية المحايدة، فقد كانت توقعات الرضع أكثر غموضاً. لم يظهروا ميلاً لافتراض أن الشخصية المحايدة ستكون عادلة أو ظالمة في توزيع الموارد. تشير هذه النتائج إلى أن الرضع قادرون على تكوين رؤى حول السلوك الأخلاقي للشخصيات، واستخدام هذه الرؤى لتوقع تصرفات مستقبلية. كما يدرك الأطفال أن الأفراد المحايدين يقعون في منطقة رمادية بين الخير والشر.
كما أشارت النتائج إلى أن توقعات الرضع للسلوكيات تتوافق مع فهمهم لدوافع الشخصيات. فالشخص الذي ينقذ الضحية لا يتميز بالأخلاق فحسب، بل لديه أيضاً هدف محدد وهو مساعدة شخص آخر.
دور التفاعلات الاجتماعية في تشكيل الحكم الأخلاقي
لاحظ الباحثون أن الرضع الذين لديهم إخوة أو أخوات أظهروا توقعات أقوى لتوزيع عادل للموارد مقارنة بالرضع الذين ليس لديهم أشقاء. يُعتقد أن هذه الظاهرة تعود إلى أن وجود الإخوة يوفر للرضع خبرات مباشرة أكبر في مشاركة الموارد وحل النزاعات، مما يعزز فهمهم لمفهوم العدالة.
يوضح هذا الجانب أن التفاعلات الاجتماعية المبكرة، بما في ذلك تلك التي تحدث داخل الأسرة، تلعب دوراً جوهرياً في تشكيل الحكم الأخلاقي للفرد وتؤثر على قراراته طوال حياته. تقدم الدراسة دليلاً على أن الرضع، بعد مشاهدة تفاعلات اجتماعية متعددة، يستطيعون تكوين توقعات أخلاقية تتسق مع الأدوار الأخلاقية السابقة للشخصيات.
بشكل عام، تدعم هذه الاستنتاجات فكرة أن الرضع يستطيعون استنتاج الخصائص الأخلاقية للشخصيات بطرق مشابهة للأطفال الأكبر سناً والبالغين، وأن هذه الاستنتاجات مبنية على خبراتهم الاجتماعية. ويتماشى هذا مع النظرية القائلة بأن الأساس الأخلاقي يبدأ في التكون في وقت مبكر من الحياة، ويتأثر بشكل كبير بالبيئة المحيطة والتفاعلات اليومية.
من المتوقع أن تفتح هذه النتائج آفاقاً بحثية جديدة لدراسة تطور القدرات الأخلاقية لدى الأطفال، وفهم كيفية تأثير العوامل البيئية والاجتماعية على بناء منظومة القيم لديهم. كما قد تساهم هذه المعرفة في تطوير استراتيجيات تربوية أكثر فعالية لدعم النمو الأخلاقي السليم لدى الأطفال منذ المراحل المبكرة.
