الجيش الإسرائيلي يتكتم على عدد الجنود المسرحين لأسباب نفسية.
اتهمت مصادر طبية إسرائيلية قيادة الجيش بالتكتم المتعمد على عدد الجنود الذين تم تسريحهم خلال الحرب الحالية لأسباب نفسية، حيث أشارت تقارير إلى وجود تزايد مقلق في هذه الحالات. وترجع مصادر في قسم الصحة النفسية بالجيش هذا التكتم إلى اتساع نطاق الظاهرة والخوف من التأثيرات المعنوية لنشر تفاصيلها، بالإضافة إلى زيادة حالات الانتحار بين الجنود.
وبحسب صحيفة “هآرتس”، فإن السنة الأولى من الحرب التي اندلعت في أكتوبر 2023 شهدت تسريح 7241 ضابطًا وجنديًا لأسباب متعلقة بالصحة النفسية، مع توقعات بازدياد هذا العدد مع استمرار القتال واحتلال مناطق جديدة.
الجيش الإسرائيلي يواجه صعوبات في الكشف عن بيانات التسريح النفسي
تقدمت صحيفة “هآرتس” بطلب للحصول على هذه المعلومات في يونيو 2025، أي قبل عام من النشر، إلا أن الجيش لم يستجب حتى الآن، مما يعد مخالفة للقانون. وينص قانون “حرية المعلومات” على ضرورة رد السلطات العامة خلال 30 يومًا، مع إمكانية تمديد المهلة إلى 120 يومًا في ظروف خاصة. ورغم حصول الجيش على تمديد مؤقت، إلا أنه لم ينشر المعطيات المطلوبة حتى بعد انتهاء المهلة.
وقد صرح ضباط سابقون في شعبة القوى البشرية ووحدة الناطق باسم الجيش أن المؤسسة العسكرية تميل إلى تأخير نشر أي بيانات لا تخدم أهدافها أو لا ترضي قادتها. وأكد ضابط احتياط في شعبة القوى البشرية أن هناك متخصصين يعملون على معالجة البيانات لإخفاء المعلومات التي قد تضر بصورة الجيش.
وأضاف الضابط أن الجيش لا يرغب في أن يعرف الجمهور حجم الضائقة النفسية التي يعاني منها الجنود، ويسعى للتقليل من شأنها. في المقابل، يتم توفير المعلومات اللازمة بسرعة للمتحدث العسكري لدحض أي ادعاءات صحفية أو سياسية.
تأثير الضائقة النفسية على معنويات الجنود
أقرت مصادر في قسم الصحة النفسية بالجيش الإسرائيلي بأن اتساع حجم ظاهرة التسريح لأسباب نفسية يشكل دافعًا رئيسيًا لتجنب نشر هذه البيانات، لاعتقادهم بأن ذلك قد يضر بالمعنويات العامة. وتسعى المؤسسة العسكرية بشكل واضح إلى تفادي مناقشة هذه القضية علنًا.
وأوضحت المصادر أن الجيش يواجه عددًا غير مسبوق من الإصابات النفسية منذ بدء الحرب، لم تشهد الدولة مثيلًا له منذ تأسيسها. ففي الأيام الأولى التي تلت هجوم السابع من أكتوبر 2023، اضطر الجيش ووزارة الدفاع إلى التعامل مع تدفق استثنائي لجنود يعانون من ضائقة نفسية حادة نتيجة للصدمات التي تعرضوا لها.
كما أشار العديد من الجنود الإسرائيليين الذين شاركوا في المعارك في “غلاف غزة” إلى معاناتهم النفسية الشديدة وعدم قدرتهم على العودة إلى القتال. وفي هذا السياق، وسع الجيش نطاق خدمات الصحة النفسية بشكل كبير، وأنشأ مراكز متخصصة لمعالجة الضائقة النفسية. ورغم الجهود المبذولة لتحسين الاستجابة المقدمة للجنود، إلا أن حالات الانتحار خارج البيانات الرسمية قد شهدت زيادة ملحوظة حتى نهاية عام 2024.
وفي يوليو 2025، وبعد ضغوط من صحيفة “هآرتس” والتماس قدمته جمعية “هتسلحا” المعنية بحرية تداول المعلومات، وافق الجيش على الكشف عن بيانات خاصة بالسنة الأولى من الحرب فقط، تتعلق بعدد الجنود المسرحين لأسباب نفسية. واعترف الجيش رسميًا بتسريح 7241 جنديًا وضابطًا خلال هذه الفترة لأسباب نفسية، لكنه رفض الكشف عن عدد الذين كانوا يخدمون في القتال منهم. وتعتبر مصادر في شعبة القوى البشرية هذا الرقم الأعلى على الإطلاق في تاريخ الجيش الإسرائيلي.
تقديرات تشير إلى أن الأرقام الرسمية قد تكون أقل من الواقع
يشير التقرير إلى وجود آلاف الجنود النظاميين الذين تم تحويلهم خلال الحرب إلى مهام مساندة أو خلفية بسبب معاناتهم من ضائقة نفسية أو شعور بالإرهاق الشديد. ويعتقد بعض الضباط أن هذا الرقم لا يعكس حجم الظاهرة الحقيقي، بينما نفى الجيش رسميًا امتلاكه لمعطيات كاملة حول القضية.
وفي رد رسمي، أشار الجيش الإسرائيلي إلى أن الطلب قيد المعالجة، وأن الطلبات المقدمة في إطار قانون حرية المعلومات تُعالج حتى خلال الحرب، مؤكدًا الالتزام بالشفافية الكاملة. إلا أن هذا التبرير لا يزال يثير تساؤلات حول مدى جدية هذا الالتزام.
وعلى صعيد متصل، أظهرت أحدث البيانات تصاعدًا ملحوظًا في حالات الانتحار بين صفوف الجيش الإسرائيلي. فقد سجلت 17 حالة انتحار في عام 2023، منها 7 حالات بعد اندلاع الحرب، ليرتفع العدد إلى 21 حالة في عام 2024 و 22 حالة في عام 2025. وتشير المقارنات إلى أن متوسط الحالات خلال العقد الذي سبق الحرب كان نحو 12 حالة سنويًا، مع تسجيل 28 حالة في عام 2010 كأعلى رقم في السنوات الماضية.
وبالنظر إلى التكتم المستمر من قبل الجيش الإسرائيلي، يبقى من غير الواضح ما إذا كانت الأرقام المعلنة تعكس حقيقة الوضع النفسي للجنود. ومن المتوقع أن تستمر الجهود المبذولة للكشف عن المزيد من الحقائق المتعلقة بهذه القضية الحساسة.
