تشير تقييمات حديثة للمخابرات الأميركية إلى أن الجدول الزمني الذي تحتاجه إيران لصنع سلاح نووي لم يتغير بشكل كبير منذ الصيف الماضي، على الرغم من الضربات العسكرية الأخيرة والهجمات المكثفة التي استهدفت برامجها النووية. تأتي هذه التقييمات وسط توترات مستمرة في المنطقة ومفاوضات دولية جارية تهدف إلى منع طهران من امتلاك القدرة على تطوير أسلحة نووية.
ووفقًا لثلاثة مصادر مطلعة، فإن التقييم العام للمخابرات الأمريكية بشأن قدرات إيران النووية ظل ثابتًا نسبيًا. هذا الثبات يأتي رغم أن الحرب الأخيرة، التي شنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، كانت تهدف جزئيًا إلى تعطيل البرنامج النووي الإيراني. تركزت الحملة العسكرية، التي استمرت 12 يومًا في يونيو 2025، على أهداف عسكرية تقليدية، لكنها شملت أيضًا ضربات استهدفت عددًا من المنشآت النووية الهامة.
تقييمات مستمرة لبرنامج إيران النووي
لم تتغير التقييمات المتعلقة ببرنامج طهران النووي بشكل كبير حتى بعد مرور شهرين على اندلاع الحرب. على الرغم من أن الحرب الأمريكية والإسرائيلية ركزت في معظمها على أهداف عسكرية تقليدية، إلا أن إسرائيل نفذت ضربات استهدفت منشآت نووية رئيسية. وتشير هذه التقييمات إلى أن تعطيل برنامج طهران النووي بشكل كبير قد يتطلب تدمير أو إزالة المخزون المتبقي من اليورانيوم عالي التخصيب في إيران.
وبحسب ما نقلت وكالة “رويترز”، فإن الجدول الزمني الذي لم يتغير يشير إلى الصعوبات الكبيرة التي تواجه الجهود الدولية لمنع إيران من امتلاك سلاح نووي. وقد توقفت العمليات العسكرية منذ بدء سريان وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران في السابع من أبريل، في مسعى لتحقيق السلام. ومع ذلك، لا يزال التوتر محتدماً، خاصة مع تزايد الانقسامات بين الطرفين.
في هذا السياق، أعلن وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث أن الولايات المتحدة تهدف إلى ضمان عدم حصول إيران على سلاح نووي من خلال المفاوضات الجارية مع طهران. هذا التأكيد يأتي بالتزامن مع جهود دبلوماسية مكثفة لمحاولة احتواء الأزمة.
تقديرات سابقة ومخزون اليورانيوم
خلال الفترة التي سبقت الحرب التي استمرت 12 يومًا في يونيو 2025، خلصت وكالات المخابرات الأمريكية إلى أن إيران قد تكون قادرة على إنتاج ما يكفي من اليورانيوم اللازم لصنع قنبلة نووية في غضون ثلاثة إلى ستة أشهر. ومع ذلك، فإن التقديرات بعد الضربات التي شنتها الولايات المتحدة في يونيو على مجمعات نطنز وفوردو وأصفهان النووية، أرجأت هذا الجدول الزمني إلى ما يتراوح بين تسعة أشهر إلى سنة تقريبًا.
وقد دمرت الهجمات أو ألحقت أضرارًا بالغة بثلاث منشآت لتخصيب اليورانيوم كانت تعمل آنذاك. ومع ذلك، لم تتمكن الوكالة الدولية للطاقة الذرية من التحقق من مكان وجود نحو 440 كيلوغرامًا من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المائة. وتشير تقديرات الوكالة إلى أن إجمالي مخزون اليورانيوم عالي التخصيب يكفي لصنع 10 قنابل نووية في حال رفعت طهران مستوى تخصيبه.
وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض، أوليفيا ويلز، في إشارة إلى العمليات العسكرية: “بينما دمرت عملية (مطرقة منتصف الليل) المنشآت النووية الإيرانية، استغلت عملية (ملحمة الغضب) هذا النجاح لتدمير القاعدة الصناعية الدفاعية التي كانت إيران تستخدمها سابقًا درعًا واقيًا في سعيها لامتلاك سلاح نووي”. وأضافت أن الرئيس ترامب “واضح منذ فترة طويلة في موقفه بأن إيران لن تملك سلاحًا نوويًا أبدًا، وهو جاد وصادق فيما يقول”.
الهدف الرئيسي للحرب والواقع الميداني
تحدث المسؤولون الأمريكيون، بمن فيهم الرئيس ترامب، مرارًا عن أن الهدف الرئيسي للحرب كان القضاء على البرنامج النووي الإيراني. ويُعتقد أن ثبات تقديرات المدة التي ستستغرقها إيران لتطوير سلاح نووي يعكس جزئيًا طبيعة الحملة العسكرية الأخيرة، التي لم تمنح أولوية مطلقة للأهداف النووية.
فقد قصفت إسرائيل أهدافًا مرتبطة بالبرنامج النووي، مثل منشأة لمعالجة اليورانيوم في أواخر مارس. في المقابل، ركزت الهجمات الأمريكية على القدرات العسكرية التقليدية والقيادة الإيرانية وقاعدتها الصناعية العسكرية. ويعتقد محللون أن سبب استمرار التقديرات الثابتة هو عدم وجود أهداف نووية رئيسية يمكن تدميرها بسهولة وأمان بعد العمليات العسكرية الأخيرة.
وقال إريك بروير، وهو محلل كبير سابق في المخابرات الأميركية، إن ثبات التقييمات غير مستغرب لأن الضربات الأمريكية الأخيرة لم تعطي الأولوية للأهداف ذات الصلة بالبرنامج النووي. وأضاف بروير: “لا تزال إيران تملك كل موادها النووية، على حد علمنا… من المحتمل أن تكون تلك المواد مدفونة في مواقع تحت الأرض على عمق لا يمكن للذخائر الأمريكية اختراقها”.
وقد درس مسؤولون أمريكيون في الأسابيع القليلة الماضية خيارات أكثر خطورة لتعطيل جهود إيران النووية، بما في ذلك عمليات استعادة اليورانيوم عالي التخصيب الذي يعتقد أنه مخزن في مجمع أنفاق بموقع أصفهان. وتواصل إيران نفي سعيها لامتلاك أسلحة نووية، بينما تشير تقديرات المخابرات الأمريكية والوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى أن طهران أوقفت جهود تطوير الرؤوس الحربية في عام 2003. ومع ذلك، يؤكد بعض الخبراء وإسرائيل أنها قد تكون احتفظت سراً بأجزاء أساسية من البرنامج.
يبقى السؤال حول الخطوات المستقبلية مفتوحًا، مع استمرار المفاوضات الجارية. ستكون قدرة الوكالة الدولية للطاقة الذرية على استئناف عمليات التفتيش الشاملة، ومدى استجابة إيران لضغوط المجتمع الدولي، عوامل حاسمة في تحديد مسار برنامج إيران النووي في الأشهر والسنوات القادمة.
