لطالما عُدت الغدة الزعترية، العضو الصغير ذو الفصين خلف عظمة القص، مجرد بقايا لا وظيفية لمعظم حياة الإنسان. لكن أبحاثًا حديثة تعيد النظر في هذا الاعتقاد، لتكشف عن دور محتمل للغدة الزعترية في طول العمر والحماية من الأمراض، بما في ذلك السرطان.
الغدة الزعترية: من عضو مهمل إلى مفتاح الصحة؟
على الرغم من أن الإغريق القدماء اعتقدوا أنها مقر الروح، وأن بعض العلماء في القرن العشرين وصفوها بـ”مقبرة للخلايا”، إلا أن الدراسات الحديثة تشير إلى أن الغدة الزعترية قد تكون أكثر أهمية بكثير مما كان يُعتقد سابقًا. في حين أن دورها في بناء جهاز مناعي قوي في الطفولة معروف جيدًا، فإن تدهورها التدريجي بعد البلوغ كان يُنظر إليه كحتمي ولا مفر منه. الآن، يبحث العلماء في احتمالية أن تكون هذه الغدة المنظمة لصحة المناعة على مدار الحياة، ولها دور في إطالة العمر والحماية من أمراض خطيرة.
يقول هوغو آيرتس، مدير برنامج الذكاء الاصطناعي في الطب بمستشفى ماساتشوستس العام بريغهام: “كان يُفترض تمامًا أن الغدة الزعترية ستصبح غير ذات أهمية”. ومع ذلك، فإن الأبحاث التي أجريت في السنوات الأخيرة، ونُشرت في مجلات علمية مرموقة مثل “Nature”، بدأت ترسم صورة مختلفة تمامًا. تظهر هذه الدراسات أن صحة الغدة الزعترية قد تكون مؤشرًا قويًا على الصحة العامة، حيث أن الأشخاص الذين يمتلكون غدة زعترية سليمة يظهرون معدلات أقل للإصابة بسرطان الرئة، وأمراض القلب، وحتى الوفاة لأسباب متنوعة. كما أنهم يستجيبون بشكل أفضل للعلاجات المناعية الموجهة ضد السرطان.
ومع ذلك، لا تزال هناك أسئلة جوهرية تحتاج إلى إجابة. هل الغدة الزعترية هي السبب المباشر لهذه النتائج الصحية المحسنة، أم أنها مجرد مؤشر ثانوي على صحة عامة أفضل؟ لماذا يختلف معدل تدهورها بشكل كبير بين الأفراد؟ هل يمكن إبطاء هذا التدهور أو حتى إيقافه؟ والأهم من ذلك، لماذا استغرق الأمر كل هذا الوقت لإعادة تقييم دور هذا العضو؟
نتائج دراسة رائدة تعيد إلى الواجهة دور الغدة الزعترية
بدأت رحلة إعادة اكتشاف الغدة الزعترية بمحض الصدفة. كان كاميرون كوشيش، طالب الطب في مختبر ديفيد سكادن، مهتمًا بفهم دور الغدة الزعترية لدى البالغين الذين خضعوا لعمليات زرع نخاع العظم. خلال هذه العمليات، يعاد بناء جهاز المناعة لديهم، ولذلك اعتقد الباحثون أن الغدة الزعترية قد تلعب دورًا مشابهًا لدورها في الطفولة.
ثم جاءت جائحة كوفيد-19، التي أجبرت الفريق على تغيير مسار أبحاثهم. انتقلوا إلى دراسة يمكن إجراؤها عن بُعد، موسعين نطاق سؤالهم البحثي ليشمل: ماذا تشير السجلات الطبية للبالغين الذين خضعوا لجراحة استئصال الغدة الزعترية إلى صحتهم العامة؟
كانت النتائج مذهلة للفريق. ففي السنوات الخمس التي تلت استئصال الغدة الزعترية، كان الأشخاص الذين خضعوا لهذه الجراحة أكثر عرضة للوفاة بأكثر من الضعف مقارنة بمجموعات مماثلة خضعت لجراحات في القلب أو الصدر ولكنهم احتفظوا بغدتهم الزعترية. كما أنهم كانوا أكثر عرضة للإصابة بالسرطان. وعندما اقتصر التحليل على الأشخاص الذين لم يعانوا من مشاكل مناعية سابقة للجراحة، تبين أن فقدان الغدة الزعترية يزيد من خطر الإصابة بأمراض المناعة الذاتية.
يعلق ديفيد سكادن قائلاً: “بصراحة، كنت أظن أنها مجرد وسيلة لإبقاء طلابي نشطين خلال جائحة كوفيد-19، ولم أتوقع أن تُظهر نتائجها الكثير. لقد صُدِمنا جميعاً. لهذا الأمر تأثير كبير، ليس فقط على الأمور التي كنا قلقين بشأنها… بل أيضاً على معدل الوفيات لأي سبب.” وقد نُشرت هذه النتائج في عام 2023 في مجلة “نيو إنغلاند” الطبية، مصحوبة بمقال وصفها بأنها “بحث رائد”.
الغدة الزعترية: عضو الطفولة الذي قد يستمر في مساعدتنا
في تاريخ الطب، ظلت الغدة الزعترية منطقة غير مستكشفة نسبيًا. غالبًا ما يصفها الأطباء بأنها آخر عضو رئيسي اكتُشفت وظيفته. ورغم إمكانية استئصال الغدة الزعترية في عمليات جراحية متعددة، مثل تحسين الوصول إلى القلب، إلا أن المرضى الذين خضعوا لذلك لم يُظهروا تدهوراً ملحوظاً في صحتهم العامة، مما عزز الاعتقاد بأنها لا تلعب دورًا ذا أهمية بعد مرحلة الطفولة.
يقول آيرتس: “هذه إشارات دقيقة للغاية. الأمر ليس كما لو أننا نستأصل القلب ويموت المريض”. لم يبدأ العلماء في فهم الدور الحاسم لهذه الغدة إلا في ستينات القرن الماضي. فالغدة الزعترية هي المسؤولة عن تدريب خلايا المناعة، المعروفة بالخلايا التائية (T cells)، لتمييز مسببات الأمراض عن خلايا الجسم السليمة. الأطفال الذين يولدون بدون غدة زعترية يعانون من مشاكل مناعية حادة، وغالبًا ما يكون مصيرهم الموت إذا لم يحصلوا على زرع.
تخرج الخلايا التائية من نخاع العظم وتستقر في الغدة الزعترية، حيث تتكاثر وتنمو بشكل كبير. هذه العملية ضرورية لضمان أن الجهاز المناعي لن يهاجم الأنسجة السليمة، وهي آلية تُعرف بـ “التسامح الذاتي”. ومع ذلك، في سن المراهقة، تبدأ الغدة الزعترية بالتحول إلى نسيج دهني، وهو ما دعا الكثيرين إلى اعتبارها عضوًا غير فعال في مرحلة البلوغ وما بعدها.
إعادة تقييم الغدة الزعترية وإمكانيات تجديدها
يسلط الضوء الجديد على الغدة الزعترية الضوء على ارتباطها بمجموعة واسعة من النتائج الصحية. استخدم فريق آيرتس الذكاء الاصطناعي لتحليل قواعد بيانات ضخمة وطويلة الأمد تتبع أمراض القلب والأوعية الدموية والسرطان. من خلال تحليل صور الأشعة المقطعية لآلاف الأشخاص، طوروا مؤشرًا لصحة الغدة الزعترية، ثم ربطوه بسجلاتهم الصحية على مدى سنوات.
أظهرت النتائج أن صحة الغدة الزعترية تتنبأ بصحة جيدة عبر معايير متعددة. فقد وجدوا أن الأشخاص الذين يتمتعون بغدة زعترية أكثر صحة أقل عرضة للوفاة لأي سبب على مدى سنوات، وأقل عرضة للإصابة بسرطان الرئة أو الوفاة بأمراض القلب. ومن المثير للاهتمام، أنهم وجدوا أيضًا أن هؤلاء الأشخاص يستجيبون بشكل أفضل للعلاجات المناعية للسرطان، والتي تهدف إلى تحفيز الجهاز المناعي لمحاربة الورم.
لا يمكن لهذا البحث الجديد الجزم بأن الغدة الزعترية هي السبب المباشر لهذه النتائج الصحية الإيجابية، ولكنه يقدم مؤشرات قوية تستدعي مزيدًا من الاستكشاف. يرى البعض أن هذا الاهتمام الجديد جاء متأخراً جداً. تقول باولا بونفانتي، عالمة الأحياء الخلوية في معهد فرنسيس كريك: “أخيرًا، أدرك الناس أهمية الغدة الزعترية!”.
تتمتع الغدة الزعترية بقدرة استثنائية على التجدد، على الرغم من كونها من أسرع الأعضاء شيخوخةً. يعمل فريق بونفانتي حاليًا على بناء غدة زعترية بشرية في المختبر. وعلى المدى الطويل، يطمحون إلى إمكانية هندسة غدة زعترية من متبرع بالأعضاء لمساعدة المرضى الذين يخضعون لعمليات زرع الأعضاء على تقبل العضو الجديد دون الحاجة إلى أدوية مثبطة للمناعة قاسية، والتي لها آثار جانبية خطيرة.
تهتم بونفانتي أيضًا بدراسة إمكانية إبطاء التدهور الطبيعي للغدة الزعترية، وهو ما قد يكون له تطبيقات واسعة في علاج أمراض المناعة الذاتية، وتحسين استجابة الجسم للتطعيمات مع التقدم في السن، وتعزيز فعالية العلاجات المناعية للسرطان. تظل هناك حاجة ماسة لمزيد من الأبحاث لفهم الآليات الدقيقة التي تربط الغدة الزعترية بصحة الإنسان على المدى الطويل، ولتحديد ما إذا كان من الممكن استغلال هذه العلاقة لتحسين جودة الحياة وطول العمر.
