في نبأ مفطر للقلوب، ودّع الوسط الفني العربي، صباح اليوم، قامة غنائية استثنائية، الفنان المصري هاني شاكر، الملقب بـ “أمير الغناء العربي”، بعد مسيرة فنية حافلة بالعطاء امتدت لعقود. رحل شاكر، الذي نسج بأغانيه خيوط الوجدان، تاركًا خلفه إرثًا فنيًا خالدًا، بعد صراع مع المرض في مستشفى “فوش” بباريس.

تُعد وفاة هاني شاكر خسارة فادحة للحركة الغنائية العربية، التي فقدت بصوت دافئ ولحن شجي، استطاع أن يلامس قلوب الأجيال ويتجاوز حدود الزمن. جسدت أغانيه حالة فريدة من الرومانسية الأصيلة، محتفظًا بمكانته في ظل التحولات المتسارعة للموسيقى.

مسيرة هاني شاكر: من “الحلم الجميل” إلى الخلود

لم يكن مشوار الفنان هاني شاكر مجرد مسيرة غنائية، بل كان “حلمًا جميلًا” نسجه بجهده وموهبته، ليتحول إلى واقع ملموس أثرى المكتبة الموسيقية العربية. وُلد هاني شاكر في 21 ديسمبر 1952 بحي السيدة زينب بالقاهرة، وبدأت علاقته المبكرة بالفن من خلال مشاركته في برامج الأطفال بالتلفزيون المصري، ليقطع بعدها تخرجًا متميزًا من معهد “الكونسرفتوار”، مكتسبًا أساسًا أكاديميًا متينًا.

يصف الناقد الفني طارق الشناوي صمود شاكر على قمة الغناء لأكثر من خمسين عامًا بأنه “إنجاز يصل إلى حد الإعجاز”. وأوضح الشناوي أن هاني شاكر استطاع أن يخاطب مختلف الطبقات والفئات، ليصبح ظاهرة فنية عابرة للأجيال، محافظًا على حضوره القوي وأدائه الملهم حتى اللحظات الأخيرة من حياته، مقدمًا أروع الحفلات التي تميزت بالحضور اللافت وسرعة البديهة وخفة الظل.

بدايات “أمير الغناء العربي”

بدأت “حكاية عاشق” الطرب مع هاني شاكر مبكرًا، حيث نشأ في أجواء علمته حب الموسيقى. كان لوالديه دور في دعم مسيرته، وخاصة والدته التي اعتبرت الحاضنة الأولى لمسيرته، وتولت دور “الوكيل” و”مدير الأعمال” في بداياته، مشرفة على صقل تدريباته ودفع خطواته المهنية نحو القمة. درس شاكر في كلية التربية الموسيقية، واكتسب خبرات قيمة خلف ميكروفونات برامج الأطفال، حيث تبلورت ملامح فنان استثنائي راهن على موهبته الفذة والتزامه الرصين.

كانت أغنية “حلوة يا دنيا”، التي قدمها الموسيقار محمد الموجي، بمثابة شهادة ميلاد فنية لهاني شاكر، معلنة ولادة صوت رومانسي كلاسيكي بدأ رحلته مع “بعشق ضحكتك” و”غلطة” و”إنتي لسه بتسألي”.

أيقونة الرومانسية العربية

لم يقتصر دور هاني شاكر على كونه مطربًا، بل تحول إلى أيقونة للرومانسية في الأغنية العربية، تاركًا بصمة فريدة في اللون العاطفي. تميز بصوت دافئ وقدرة فائقة على تلوين الآهات بوجع نبيل أو فرح خجول، ما جعل أغنياته ملاذًا للعشاق. اتسم أسلوبه بـ “السهل الممتنع”، حيث اختار نصوصًا لامست شغاف القلب، وتوافق معها بحنجرته الذهبية، محافظًا على وقار الرومانسية الكلاسيكية في زمن التحولات السريعة.

يُعد هاني شاكر مدرسة للشجن الراقي الذي يسمو بالروح، وقد ساهمت هذه الخصائص في بقاء أعماله خالدة تتناقلها الأجيال.

معارك الحفاظ على الأصالة

لم تخلُ مسيرة هاني شاكر من التحديات، لا سيما عندما تولى منصب نقيب المهن الموسيقية عام 2015. خاض معارك شرسة ضد بعض مطربي المهرجانات، مدافعًا عن “الأصالة” والقيم الفنية، ومؤمنًا بأن النقابة هي الحارس الأمين على الذوق العام. رغم الاتهامات بـ”التشدد ومحاربة أرزاق الشباب”، ظل شاكر ثابتًا على موقفه، يرى في الصرامة “واجباً وطنياً” لا يقبل المساومة.

جرح لا يندمل

شكل رحيل ابنته دينا في عام 2011 نقطة تحول مؤلمة في حياة هاني شاكر، حيث تحولت الدنيا في عينيه إلى “بستان شوك”. تحولت نبرات صوته إلى مرثية حية تجسد ألمًا عصيًا يسكن أعماق الروح، وشعر بأن “كل ليلة” تمر عليه هي دهر من المواجع. كان فقدها “عيد ميلاد جرح” لا يغيب، يظهر في كل لحظة تنطفئ فيها الأنوار وينفض الزحام، ليختلي الأب الموجوع بنفسه في لحظة اختلاء مؤلمة.

نعى ورثاء

تلقى الوسط الفني والشعبي الخبر بحزن عميق. نعى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الفنان الراحل، مؤكدًا أنه “أثرى الغناء بأعذب الإبداعات الفنية بصوته المميز وأدائه الراقي”. كما نعت الدكتورة جيهان زكي، وزيرة الثقافة المصرية، شاكر، مشيدة بأعماله الخالدة التي شكلت جزءًا مهمًا من تاريخ الغناء العربي. ووصف الكاتب أحمد المسلماني، رئيس الهيئة الوطنية للإعلام، هاني شاكر بأنه “نموذج للموهبة الكبرى، والعطاء العابر للأجيال”.

لم يتردد أصدقاؤه وزملاؤه في التعبير عن حزنهم، حيث كتب الفنان محمد ثروت عبر صفحته على “فيسبوك”: “أشهد الله أنك كنت من أنقى القلوب، وأن ضحكتك كانت تنوّر أي مكان تدخله”. فيما أكدت الفنانة يسرا أن أعمال “أمير الغناء العربي” ستظل محفورة في وجدان جمهوره. وشارك عمرو دياب في النعي، واصفًا شاكر بأنه “صوت من أهم الأصوات التي شكلت وجدان أجيال”.

أعلنت نقابة المهن الموسيقية عن إقامة صلاة الجنازة على الفنان هاني شاكر صباح يوم الأربعاء المقبل، فور وصول جثمانه من باريس، ليوارى الثرى في مسقط رأسه。

شاركها.