تتجدد المطالبات الدولية لإعادة ماسة “كوه نور” الشهيرة، المملوكة حالياً للتاج البريطاني، إلى الهند، موطنها الأصلي. وتأتي هذه الدعوات لتعيد إلى الواجهة الجدل التاريخي والسياسي المحيط بهذه الجوهرة الفريدة، التي يُنظر إليها كرمز للقوة والهيمنة، فضلاً عن كونها تحفة فنية استثنائية. تستعرض هذه المقالة قصة “كوه نور” ودوافع الهند لإعادتها.
دعوات لإعادة ماسة “كوه نور” إلى الهند
شهدت الأيام الأخيرة تصريحات جديدة تدعم قضية استعادة ماسة “كوه نور” إلى الهند. فقد عبّر عمدة مدينة نيويورك، زهران ممداني، عن دعمه للملك البريطاني تشارلز الثالث لإعادة الماسة، التي تزن 105.6 قيراط، إلى الهند. جاء هذا التصريح على هامش زيارة دولة قام بها الملك والملكة كاميلا إلى الولايات المتحدة، حيث أعرب ممداني عن أمله في مناقشة هذه المسألة مع الملك.
وقد ردّت الصحافة البريطانية ومصادر قصر باكنغهام بالامتناع عن التعليق على ما إذا كان هذا الموضوع قد تم طرحه خلال لقاء بين العمدة والملك. ومع ذلك، فإن تصريحات ممداني، وهو أمريكي من أصل هندي، أعادت تسليط الضوء على قضايا الاسترداد الثقافي والمطالبات التاريخية التي طالما طالبت بها الهند.
“كوه نور” في قلب جواهر التاج البريطاني
تُعد ماسة “كوه نور” جزءاً لا يتجزأ من مجموعة جواهر التاج البريطاني منذ عام 1911. ورغم أنها لم تكن جزءاً من التاج الرئيسي للملكة إليزابيث الثانية، إلا أن النسخة التي كانت مثبتة في تاج الملكة ماري، ومن ثم تاج الملكة الأم، أثارت دائماً نقاشات حول ملكيتها.
في عام 1937، تم تعديل تاج الملكة الأم، الذي صُنع خصيصاً لها، ليشمل ماسة “كوه نور”. يشتهر هذا التاج بكونه مرصعاً بآلاف الماسات، لكن “كوه نور” تظل الجوهرة الأكثر رمزية وإثارة للجدل ضمن محتوياته. تجدر الإشارة إلى أن الملكة كاميلا اختارت تاج الملكة ماري، بعد إزالة النسخة المقلدة من “كوه نور”، في حفل تتويجها، مما قد يشير إلى محاولة لتجنب الجدل المحيط بالماسة.
تاريخ الحجر الكريم: من الهند إلى بريطانيا
يعود أصل ماسة “كوه نور” إلى الهند، حيث يُعتقد أنها استُخرجت من مناجم مملكة غولكوندا في القرن الرابع عشر. ذُكرت الماسة لأول مرة بشكل مكتوب في عام 1628، خلال عهد الإمبراطورية المغولية، حيث كانت جزءاً من عرش الطاووس الشهير للإمبراطور شاه جهان. رحلت الماسة بعد ذلك عبر أيدي العديد من الحكام، بمن فيهم نادر شاه الفارسي الذي استولى عليها عام 1739.
في مطلع القرن التاسع عشر، وصلت الماسة إلى حوزة رانجيت سينغ، مؤسس إمبراطورية السيخ. بعد وفاته، وتزامناً مع توسع النفوذ البريطاني في شبه القارة الهندية، سعت شركة الهند الشرقية البريطانية لضم الماسة إلى ممتلكاتها. في عام 1849، وبعد سلسلة من الاضطرابات السياسية، وُقِّع على معاهدة لاهور.
وفقاً للعديد من المؤرخين، أُجبر ابن رانجيت سينغ، المهراجا دوليب سينغ، الذي كان لا يزال طفلاً، على التنازل عن ملكية الماسة للتاج البريطاني بموجب المعاهدة، مما أدى إلى انتقالها إلى يد الملكة فيكتوريا.
إعادة صقل وتغيير شكل “كوه نور”
عند وصولها إلى بريطانيا، لم تلقَ ماسة “كوه نور” استحسان الجمهور بسبب شكلها الأصلي الذي افتقر إلى البريق. بناءً على تعليمات الأمير ألبرت، زوج الملكة فيكتوريا، خضعت الماسة لعملية إعادة صقل في عام 1852. أدت هذه العملية إلى تقليل حجمها بشكل كبير، لكنها عززت من بريقها ولمعانها، لتأخذ الشكل الذي هي عليه اليوم.
تقدر قيمة ماسة “كوه نور” بما يتراوح بين 140 و 400 مليون دولار أمريكي، ولكن قيمتها المعنوية والتاريخية تفوق هذه التقديرات المادية بكثير. منذ استقلال الهند عام 1947، تقدمت الحكومات الهندية المتعاقبة بمطالبات رسمية لاستعادة الماسة، وكان آخرها في عام 2016، حيث أكدت نيودلهي عزمها على بذل كل جهد ممكن لاستردادها.
تظل قضية استعادة ماسة “كوه نور” موضوعاً معقداً يتشابك فيه التاريخ والاستعمار والثقافة. ورغم المطالبات المستمرة، فإن موقف الحكومة البريطانية لم يتغير في ظل غياب اتفاقيات دولية تلزم بإعادة المقتنيات الثقافية. ومن المتوقع أن تستمر الضغوط الدولية والدبلوماسية بشأن هذه القضية في المستقبل.
