كشفت دراسة حديثة أجراها باحثون في جامعة “غالواي” الأيرلندية عن وجود علاقة واعدة بين الارتفاع المناسب لمستويات فيتامين د في منتصف العمر وتقليل خطر الإصابة بالخرف لاحقًا. تشير النتائج الأولية إلى أن فيتامين د قد يلعب دوراً وقائياً للدماغ من التغيرات المرتبطة بأمراض التنكُّس العصبي مثل الزهايمر.
نُشرت الدراسة، وهي استكشافية في طبيعتها، يوم الأربعاء في دورية “الأكاديمية الأميركية لطب الأعصاب”، وأشارت إلى أن تحقيق مستويات صحية لفيتامين د يمكن أن يكون استراتيجية فعالة لدعم صحة الدماغ على المدى الطويل. يعتبر مرض الزهايمر، وهو أكثر أشكال الخرف شيوعاً، تحدياً صحياً عالمياً متزايداً، ويسعى الباحثون باستمرار لفهم آلياته الوقائية والعلاجية.
فيتامين د وعلاقته بصحة الدماغ
يُعرف فيتامين د بفوائده المتعددة للصحة العامة، وخاصةً لدوره في امتصاص الكالسيوم الضروري لصحة العظام. ومع ذلك، تزايدت الأبحاث في السنوات الأخيرة لتسليط الضوء على الوظائف المحتملة لفيتامين د في الدماغ. تشير الدراسات السابقة إلى أن نقص فيتامين د قد يرتبط بزيادة خطر الإصابة بالخرف، ولكن الآليات الدقيقة لهذه العلاقة لا تزال قيد البحث.
في سياق مرض الزهايمر، يعتقد الباحثون أن تراكم بروتينات معينة في الدماغ، مثل بروتين “تاو” وبروتين “أميلويد بيتا”، يلعب دوراً حاسماً في تطور المرض. يؤدي هذا التراكم إلى تلف الخلايا العصبية وتعطيل وظائف الدماغ، مما ينعكس سلباً على الذاكرة والقدرات المعرفية.
نتائج الدراسة الأيرلندية
شملت الدراسة 793 مشاركاً، بلغ متوسط أعمارهم حوالي 39 عاماً، ولم تظهر عليهم أي علامات لإصابة بالخرف عند بدء الدراسة. تم قياس مستويات فيتامين د في دم المشاركين، وبعد مرور ما يقرب من 16 عاماً، خضع المشاركون لفحوصات دماغية لتقييم مستويات بروتيني “تاو” و”أميلويد بيتا”.
كشفت النتائج عن وجود علاقة ارتباطية هامة: الأشخاص الذين لديهم مستويات أعلى من فيتامين د في منتصف العمر لديهم مستويات أقل من بروتين “تاو” في الدماغ لاحقاً. وقد عُرّف المستوى المرتفع لفيتامين د بأنه أعلى من 30 نانوغراماً لكل مليلتر، بينما يعتبر المستوى الأقل من ذلك منخفضاً. لم تظهر الدراسة علاقة واضحة بين مستويات فيتامين د وتراكم بروتين “أميلويد بيتا”.
النسبة المئوية للنقص الملحوظ
وأظهرت الدراسة أن نسبة كبيرة من المشاركين، حوالي 34%، كانوا يعانون من نقص في فيتامين د. وفي المقابل، كان 5% فقط من المشاركين يتناولون مكملات فيتامين د. هذه الأرقام تسلط الضوء على الانتشار المحتمل لنقص فيتامين د في هذه الفئة العمرية، مما يثير تساؤلات حول أهمية التوعية وتصحيح هذه المستويات.
أهمية التدخل المبكر
يرى الباحثون، بقيادة الدكتور مارتن ديفيد موليغان من جامعة “غالواي”، أن هذه النتائج تشير إلى أن فيتامين د يمكن اعتباره عاملاً قابلاً للتعديل، يمكن أن يساهم في تقليل خطر التغيرات الدماغية المرتبطة بالخرف. ويؤكد موليغان أن منتصف العمر يمثل مرحلة عمرية حاسمة للتدخل وتعديل عوامل الخطر التي قد تؤثر على صحة الدماغ على المدى الطويل.
وأضاف موليغان، عبر موقع الجامعة، أن الحفاظ على مستويات جيدة من فيتامين د في هذه الفترة قد يوفر حماية محتملة ضد تراكم بروتين “تاو” في الدماغ، وبالتالي المساهمة في الوقاية من الزهايمر. تعتبر هذه المرحلة العمرية فرصة مثالية لتطبيق استراتيجيات سلوكية وغذائية تدعم صحة الدماغ.
متابعة الأبحاث المستقبلية
على الرغم من أن نتائج الدراسة واعدة، إلا أن الفريق البحثي يؤكد أن الأدلة لا تزال أولية. هناك حاجة ماسة لإجراء تجارب سريرية إضافية لتقييم ما إذا كان رفع مستويات فيتامين د لدى الأشخاص الذين يعانون من نقصه يمكن أن يؤدي فعلياً إلى تقليل خطر الإصابة بالخرف. هذه التجارب ستساعد في تأكيد العلاقة السببية وتقديم توصيات طبية قائمة على الأدلة.
يشدد الباحثون على أن الحفاظ على نمط حياة صحي شامل، يتضمن نظاماً غذائياً متوازناً، وممارسة الرياضة بانتظام، والتحكم في عوامل الخطر الصحية الأخرى، يظل أمراً بالغ الأهمية للوقاية من الخرف. كما يؤكدون على أهمية مراقبة العوامل الصحية القابلة للتعديل منذ مراحل عمرية مبكرة لضمان صحة دماغية جيدة على المدى الطويل.
