كشفت دراسة نفسية حديثة، نُشرت في مجلة العلوم التطبيقية للنمو، أن تعريض الأطفال في سن مبكرة لمحتوى الذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى عواقب نفسية وإدراكية لا رجعة فيها. تركز الدراسة على تأثير المحتوى الذي يتم إنشاؤه بواسطة الذكاء الاصطناعي على نمو الأطفال، خاصة في ظل الانتشار الواسع للشاشات.
وأكد الباحثون في جامعة كانتربري بنيوزيلندا أن الآباء يواجهون صعوبة في مراقبة جميع المحتويات التي يستهلكها أطفالهم عبر الإنترنت. وأشاروا إلى أن بعض محتوى الذكاء الاصطناعي، رغم جاذبيته للأطفال الصغار من خلال شخصيات ورسوم متحركة، قد يكون مخيفًا أو يحتوي على تلميحات جنسية ومفاهيم مغلوطة أو عنيفة، مما يثير قلقًا بالغًا بشأن سلامة الأطفال الرقمية.
محتوى الذكاء الاصطناعي وعواقب وخيمة على الأطفال
تعتمد الدراسة على تحليل بيانات طويلة الأمد من مبادرة “النشأة في نيوزيلندا” (Growing Up in New Zealand)، والتي تتبعت نمو أكثر من 6000 طفل منذ سن 9 أشهر وحتى 8 سنوات. تم رصد أنماط استخدام الأطفال للشاشات، ودراسة العلاقة بين هذه الأنماط والنمو الإدراكي والاجتماعي والأكاديمي لديهم.
أنماط استخدام الشاشات وتأثيرها
حدد الباحثون أربعة أنماط رئيسية لاستخدام الشاشات خلال الطفولة المبكرة:
- استخدام منخفض أو ثابت للشاشات طوال فترة الطفولة.
- استخدام منخفض في البداية يزداد تدريجيًا مع تقدم العمر.
- استخدام مرتفع يتبعه زيادة سريعة (من 3 إلى 5 سنوات).
- استخدام مرتفع جدًا بشكل مزمن في وقت مبكر من العمر ويستمر.
لاحظت الدراسة أن الأطفال الذين استخدموا الشاشات بكثافة وبشكل مستمر عانوا من ضعف في المهارات الإدراكية، مما أثر سلبًا على أدائهم الأكاديمي. كما واجهوا تراجعًا في الجانب الاجتماعي مقارنة بأقرانهم الذين قللوا من استخدام الشاشات.
في المقابل، أظهر انخفاض استخدام الشاشات تأثيرًا إيجابيًا ملحوظًا على المستوى الإدراكي للأطفال. فقد تحسنت مهارات اللغة لديهم وزادت قدرتهم على التفاعل اللغوي مع الآخرين، وكان هذا الفرق واضحًا بشكل خاص في مراحل الحياة المبكرة جدًا، مثل الرضاعة والطفولة المبكرة.
وحذر الباحثون من الانتشار المتزايد للمحتوى المنشأ بواسطة الذكاء الاصطناعي عبر مختلف المنصات، بما في ذلك تلك المخصصة للأطفال مثل “يوتيوب كيدز”. وأشاروا إلى أن هذا المحتوى غالبًا ما يتم تشغيله تلقائيًا، وأن تأثيره قد يختلف عن المحتوى العادي نظرًا لقدرته العالية على التفاعل المباشر مع الطفل بأسلوب لغوي مبسط ومفهوم.
مخاطر التعرض المفرط لصناع المحتوى بالذكاء الاصطناعي
أكد الباحثون أن التعرض المفرط للشاشات في الوقت الحالي يحمل مخاطر كبيرة، خاصة وأن معظم المحتوى المقدم مدعوم بتقنيات الذكاء الاصطناعي. وأوضحوا أن قياس الحجم الحقيقي للمخاطر على أدمغة الأطفال الصغار يتطلب دراسات طولية مصممة خصيصًا لهذا الغرض، ولكن بحلول الوقت الذي تظهر فيه أدلة قوية، قد يكون جيل كامل قد نشأ معرضًا للآثار المحتملة وغير القابلة للعكس.
وشددت الدراسة على أن نمو الطفل الطبيعي، شأنه شأن الثدييات الأخرى، يعتمد على التفاعل مع مجموعات اجتماعية متنوعة، بدءًا من الأسرة والأقارب وصولاً إلى الأقران والجيران. ويجب أن يشمل هذا التفاعل اتصالًا جسديًا مباشرًا وحقيقيًا لتعزيز النمو النفسي والإدراكي واكتساب المهارات الاجتماعية والعاطفية.
يتعلم الأطفال عن أنفسهم والعالم من خلال جميع حواسهم، وليس فقط من خلال النظر والسمع. يشمل ذلك اللمس، وسماع أصوات الأطفال أثناء اللعب، وشم روائح أماكن وأشخاص مميزين. هذه التجارب الحسية ضرورية لتنمية الحس الوجداني والعاطفي، وتشرح سبب تعلق الإنسان بأماكن معينة، خاصة تلك المرتبطة بطفولته المبكرة. وبما أن الذكاء الاصطناعي لا يمكنه توفير هذه الوسائط المتعددة، قد يحدث تراجع إدراكي وعاطفي لدى الطفل.
يعتمد النمو العضوي للتوصيلات العصبية في دماغ الطفل بشكل كبير على التفاعل العاطفي مع الآخرين من خلال آلية “الإرسال والاستقبال” (Serve and Return)، وهي تفاعل وجداني ينمي العواطف. فاستجابة الأم لمناغاة الطفل وبكائه وإيماءاته بالابتسامات والكلمات والأحضان أمر حيوي لنمو الدماغ.
يجب أن تستمر هذه الآلية مع نمو الطفل، من خلال الاهتمام بتفضيلاته والحديث معه في شؤونه البسيطة. هذه التفاعلات ضرورية لبناء التوصيلات العصبية وتحسين مهارات التواصل والمهارات الاجتماعية من الولادة وحتى مرحلة ما قبل المدرسة.
تُعد سنوات ما قبل المدرسة مرحلة حاسمة في النمو الوجداني للطفل، حيث يبدأ في تكوين نماذج لعلاقاته الوثيقة مع الآخرين، إيجابًا وسلبًا، بناءً على تجاربه المبكرة. غالبًا ما تستمر هذه النماذج طوال حياته وتؤثر على علاقاته في مرحلة البلوغ.
في المقابل، فإن استجابة الذكاء الاصطناعي السريعة والتفاعلية قد تؤثر سلبًا على الأطفال في مراحلهم العمرية المبكرة. لذا، يجب على الآباء حماية أبنائهم من التعرض لمثل هذا المحتوى حتى يتمكنوا من اكتساب خبرات إنسانية وحياتية طبيعية.
ستواصل الأبحاث دراسة الآثار طويلة المدى لمحتوى الذكاء الاصطناعي على نمو الأطفال، مع التركيز على تطوير استراتيجيات وقائية وتوعوية للأسر.
