يستكشف معرض باريسي جديد، “ماتيس… 1941-1954″، ببراعة “الحياة الثانية” للفنان الفرنسي الشهير هنري ماتيس، مبيناً كيف أن سنواته الأخيرة شهدت ازدهاراً إبداعياً عميقاً وتجربة جريئة لوسائط فنية جديدة. يعرض المعرض، الذي يستمر حتى يوليو 2026، أكثر من 300 عمل نادر، متحدياً النظرة التقليدية لمرحلة الاضمحلال الفني.

يُعد معرض “ماتيس: 1941-1954” حدثاً فنياً استثنائياً، وهو نتاج تعاون بين مركز بومبيدو وصالة عرض غراند باليه. يقدم المعرض لمحة شاملة عن المرحلة المتأخرة من مسيرة ماتيس، وهي فترة وصفها بنفسه بأنها “حياة ثانية” عميقة، شهدت ولادة أعمال فنية مبتكرة تجاوزت حدود لوحاته التقليدية.

الحياة الثانية لماتيس: إبداع في مواجهة التحديات

تُبرز الأعمال المعروضة بوضوح كيف أن ماتيس، رغم الظروف الصعبة التي مرت بها فرنسا خلال الحرب العالمية الثانية، واصل مسيرته الإبداعية بإصرار. بعد غزو النازيين لفرنسا وعودة الفنان إلى جنوب البلاد، مرّ بفترات عصيبة بما في ذلك اعتقال أفراد عائلته. لكن هذه التحديات لم تمنعه من الغوص في مرحلة جديدة من التجريب الفني، حيث استكشف بجرأة وسائط متنوعة.

يضم المعرض مجموعة واسعة من الأعمال، بدءاً من اللوحات الزيتية التي تمزج بين الألوان الزاهية والموضوعات الهادئة، وصولاً إلى الرسوم المبتكرة والقصاصات الورقية الملونة بتقنية الجواش، والكتب المصورة، والمنسوجات، وحتى نوافذ الزجاج الملون. يوضح هذا التنوع رغبة ماتيس في تطوير لغته البصرية وتوسيع نطاق تعبيره الفني.

من الألوان إلى القصاصات: تطور الأسلوب

تبدأ جولة المعرض بلوحات زيتية تتميز بألوان زاهية مثل الأحمر والأخضر والأصفر، غالباً ما تجسد موضوعات هادئة كالحياة الجامدة والمشاهد الداخلية المغمورة بالضوء. تصور هذه الأعمال نساءً مسترخيات في غرف مشرقة، أو يتناولن الطعام في أجواء حميمية، مع إطلالات على الطبيعة من خلال النوافذ المفتوحة.

بالإضافة إلى اللوحات، يتناول المعرض اهتمام ماتيس المتزايد بالرسم وطباعة الكتب، والتي وصفها بأنها “مزينة” أكثر من كونها “مصورة”. أنتج خلال هذه الفترة مئات الصور الذاتية، بالإضافة إلى سلاسل من الأعمال التي تستكشف “موضوعات وتنويعات”، حيث يكرر نفس الموضوع مع اختلافات طفيفة، مثل سلسلة صور للكاتب الفرنسي لوي آراغون، لإظهار تطور خطه الفني.

عالم من القصاصات الملونة: ابتكار “الكولاج”

تُخصص مساحة داخل المعرض لعرض مجموعة مذهلة من المطبوعات المصنوعة من قصاصات الورق الملون بالجواش والألوان المائية، والتي تتمحور حول موضوع السيرك. تتميز هذه الأعمال بألوانها المشبعة وعمقها البصري، وتتنوع بين الأنماط البسيطة والتصميمات المعقدة.

تبرز في هذا القسم أعمال مثل “إيكاروس”، التي أعاد ماتيس إنتاجها مرات عديدة، وتصور الشخصية الأسطورية وهي تطير نحو الشمس. بحلول عام 1948، أصبحت جدران مرسمه في “لا ريف” مغطاة بأعمال الكولاج الكبيرة الحجم، مستوحاة من الطبيعة مثل سعف النخيل والمرجان والنجوم.

الألوان المحلّقة الطائرة: إلهام في الحركة

يُظهر فيلم نادر يعود إلى عام 1951 كيف استعمل ماتيس مقصات ضخمة لقص أشكال من الورق الملون، مستلهماً من الشعور بـ”التحليق”. كانت حركاته سلسة وغريزية، امتداداً طبيعياً لعمله بوسائط أخرى. يصف الفنان هذه المرحلة قائلاً: “لا يمكن تصور المدة التي قضيتها في فترة أعمال القصاصات. لقد ساعدني الشعور بالتحليق الذي تفجر داخلي في تهذيب حركة يدي، عندما كانت هي المرشد على طريق المقصات”.

يختتم المعرض بسلسلة من الأعمال الأخيرة التي تجسد الألوان المحلّقة الطائرة، بما في ذلك “بلو نيود” (العاتيات الزرقاء). تظهر في هذه الأعمال الأخيرة أشكال نساء متماوجة ببراعة، مستخدمة قصاصات ورقية بسيطة على خلفيات خالية. إن البساطة المكتسبة بصعوبة عبر 84 عاماً من الفن تقدم تجربة منعشة ومطمئنة.

يعكس معرض “ماتيس: 1941-1954” الإرث المذهل لفنان استمر في الابتكار والتجديد حتى سنواته الأخيرة. يمثل هذا المعرض فرصة فريدة للاطلاع على مرحلة حاسمة في تطور الفن الحديث، ويقدم رؤى جديدة حول إمكانيات الإبداع البشري.

شاركها.