دخل العالم عصرًا جديدًا في الحروب، حيث يتزايد الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في العمليات العسكرية، بما في ذلك استهداف القادة. تشير تقارير إلى توظيف نماذج لغوية متقدمة، مثل “كلود” من شركة “أنثروبيك”، في عمليات استراتيجية معقدة، مما يفتح الباب أمام تساؤلات حول مستقبل الحروب ودور التكنولوجيا فيها.
الذكاء الاصطناعي في العمليات العسكرية: من فنزويلا إلى إيران
شهدت الفترة الأخيرة استخدامًا ملحوظًا لنماذج الذكاء الاصطناعي في سياقات عسكرية حساسة. وقد تضمنت هذه العمليات، حسب ما أفادت به مصادر، محاولات استهداف قادة دول معادية للولايات المتحدة. ويعكس هذا الاتجاه تنامي دور التكنولوجيا المتقدمة في رسم السياسات الدفاعية والاستراتيجيات العسكرية.
بدأت هذه التطورات تتكشف بشكل ملموس في وقت سابق من العام، حيث أشارت تقارير إلى عمليات أمريكية بهدف القبض على الرئيس الفنزويلي السابق، نيكولاس مادورو. كما أفادت أنباء عن هجوم واسع النطاق نفذه الجيش الأمريكي بالتعاون مع الجيش الإسرائيلي ضد النظام الإيراني، أسفر عن مقتل المرشد الأعلى آنذاك، آية الله علي خامنئي. وفي كلتا العمليتين، يُعتقد أن مجموعة نماذج اللغة الضخمة “كلود” التي طورتها مختبرات “أنثروبيك” قد لعبت دورًا أساسيًا.
برامج الدردشة الآلية وبرامج الدعم الاستشاري
أصبح من الواضح الآن أن التطبيقات العسكرية بدأت تتجه نحو استخدام برامج الدردشة الآلية ليس فقط للمهام الاستشارية، بل في تنفيذ عمليات قتالية وعسكرية جادة، بما في ذلك العمليات التي تهدف إلى القبض على رؤساء الدول أو حتى اغتيالهم. هذا التطور يثير قلقًا متزايدًا حول أخلاقيات استخدام الذكاء الاصطناعي في سياقات النزاع المسلح.
تاريخ التطورات العسكرية للذكاء الاصطناعي
لطالما سعى الجيش الأمريكي على مدى عقود إلى تطوير أدوات تكنولوجية متطورة. مكّنته منصات الاستشعار والمراقبة الحديثة من جمع كميات هائلة من البيانات، واستخدامها كأساس لنماذج خوارزمية جديدة. لطالما كان تعريف الذكاء الاصطناعي مرنًا، ولكن حتى في العقد الأول من الألفية الثانية، كانت مجموعات بحثية مثل “داربا” (وكالة مشاريع البحوث الدفاعية المتقدمة) تجري مشاريع في مجال المركبات الروبوتية والذاتية القيادة. ودعمت المنظمات العسكرية الجهود المبكرة لاستخدام التعلم الآلي.
أصبح توجه الجيش نحو الذكاء الاصطناعي أكثر رسمية في عام 2017، عندما أعلنت وزارة الدفاع عن مشروع “مافن”، وهو جهد يهدف إلى تبسيط منصات البيانات العسكرية، وإنشاء بنية تحتية لنشر الخوارزميات والتقنيات المتقدمة الأخرى، بما في ذلك الرؤية الحاسوبية واكتشاف الأجسام في ساحة المعركة. وفي عام 2018، أنشأت القوات المسلحة الأمريكية مكتب الذكاء الاصطناعي المشترك لتركيز عملها على التقنيات الناشئة. وتحول هذا المكتب لاحقًا إلى مكتب رئيس قسم التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي الذي يهدف إلى “تسريع” تبني الذكاء الاصطناعي في جميع فروع الجيش.
توظيف الأدوات الذكية في أحداث عنيفة
ما يجعل هذه اللحظة تبدو غريبة، هو أن الجيش يبدو وكأنه يستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي نفسها التي يستخدمها المستهلكون العاديون، ولكن في سياقات أكثر عنفاً. ولأن هذه الأدوات مألوفة جدًا، فمن السهل تخيل الجيش يستخدمها بالطريقة العفوية والسريعة نفسها التي نستخدمها بها.
ربما، كما افترض أحد مستخدمي الإنترنت، كتب أحدهم في وزارة الدفاع الأمريكية إلى “كلود” ببساطة: “(كلود)، اختطف ديكتاتور فنزويلا… لا تخطئ”، تمامًا كما نطلب منه الرد على بريد إلكتروني آخر. هذا الاستخدام المفترض للأدوات، الذي يبدو مباشرًا وغير معقد، يثير تساؤلات حول مدى التحكم البشري في هذه العمليات.
“كلود” ونفي التورط
للعلم، عندما سُئل “كلود” نفسه عن دوره في هذه العمليات، نفى أي تورط. “لم أساعد في أي من هذه العمليات”، هكذا أخبر برنامج الدردشة الآلي. “أنا (كلود)، مساعد ذكاء اصطناعي من صنع شركة (أنثروبيك). ليس لدي قدرات عملياتية، ولا أتدخل في شؤون العالم، وليس لي أي دور في العمليات الجيوسياسية أو السرية من أي نوع”.
شعبية “كلود” العسكرية والسياسات الحكومية
مع ذلك، تشير الدلائل إلى أن “كلود” استُخدم في عمليات حديثة، حتى وإن كان الذكاء الاصطناعي على الأرجح يقوم بشيء أكثر تعقيدًا بكثير من مجرد الاستجابة لطلب عابر. هناك الكثير من التساؤلات حول كيفية استخدام “كلود” تحديدًا في عملية فنزويلا، وكيف يُستخدم بالفعل في الحرب الحالية مع إيران. ولكننا نعلم أن “كلود” يحظى بشعبية كبيرة داخل الجيش، وفي جميع أنحاء الحكومة. وقد أفاد مسؤولون سابقون في وزارة الدفاع الأمريكية متخصصون في الذكاء الاصطناعي، وموظفون في شركة “بالانتير” (الدفاعية) الأسبوع الماضي، أن هذه الأداة تعمل بالتوازي مع برنامج “مافن”، البرنامج الرائد للذكاء الاصطناعي في الجيش.
ونعلم أيضًا أنه -على الأقل خلال عملية اختطاف مادورو- تم الوصول إلى تقنية “أنثروبيك” من خلال خدمة سرية مقدمة للجيش عبر “بالانتير”. على الأرجح، كان الأمر أكثر تعقيدًا بكثير من مجرد تكليف “كلود” بوضع خطة هجوم وتنفيذها. رغم الجهود المتواصلة للحكومة الفيدرالية لإزالة تقنية “أنثروبيك” من أنظمتها، لا توجد أي مؤشرات على أن الوكالة قد تخلت عن أنظمة التعلم الآلي القائمة على التعلم. وقد فازت شركتا “أوبن إيه آي” و”إكس إيه آي” بعقود ضخمة مع وزارة الدفاع.
مستقبل استخدام الذكاء الاصطناعي في الصراعات
في الأسبوع الماضي، وقّعت الشركتان اتفاقيات تسمح باستخدام تقنياتهما في أنظمة سرية. ويشير موظف سابق في شركة “بالانتير” إلى أن ربط تقنية من هاتين الشركتين بأنظمة وزارة الدفاع قد يكون بسيطًا، مثل ربطها عبر واجهة برمجة التطبيقات (API). كما تحتفظ وزارة الدفاع بمورد مخصص للذكاء الاصطناعي التوليدي يُسمى “GenAI.mil”. يشير هذا إلى استمرار الحكومة في تطوير وتوسيع قدراتها في مجال الذكاء الاصطناعي، مما يفتح الباب أمام استخدامات مستقبلية غير متوقعة في مجالات الدفاع والأمن.
تُعد هذه التطورات نقطة تحول مهمة في فهم طبيعة الصراعات المستقبلية. مع استمرار تسابق الدول في تطوير وتعزيز قدراتها في الذكاء الاصطناعي، من المرجح أن نرى مزيدًا من التطبيقات المتقدمة في ساحات المعارك، مما يستدعي مناقشات عالمية حول التنظيم والأخلاقيات لضمان استخدام هذه التقنيات بطرق مسؤولة.
