«الفنتك» السعودي يدخل مرحلة النضج الحاسمة: من التبني إلى التنفيذ
يشهد القطاع المالي في المملكة العربية السعودية تحولاً رقمياً لافتاً، حيث انتقل الاقتصاد من الاعتماد الكبير على النقد إلى مرحلة أصبحت فيها نسبة كبيرة من معاملات التجزئة إلكترونية. هذا الإنجاز لا يمثل نهاية الرحلة، بل بداية لمرحلة أكثر تعقيداً تتطلب التركيز على التنفيذ الفعلي لتقنيات التكنولوجيا المالية (الفنتك). يرى محمد عويضة، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة «ستيتش»، أن قطاع الفنتك السعودي دخل نقطة تحول حاسمة، حيث لحقت أجزاء من المملكة بأسواق عالمية رائدة تفوقت عليها في مجال المدفوعات، لتصبح المرحلة المقبلة مرتبطة بالتنفيذ وليس بالتبني فقط.
ازدهار الواجهة الأمامية… وحدوده
كان التحوّل الرقمي واضحاً للمستخدمين من خلال المحافظ الرقمية، المدفوعات السلسة، والخدمات المالية المبسّطة. ومع ذلك، فإن التحول العميق في البنية التحتية والعمليات الأساسية لا يزال غير مكتمل. يظهر الذكاء الاصطناعي كمثال بارز؛ فرغم الزخم الكبير حوله، لا يزال استخدامه في المؤسسات المالية في المملكة يتركز في تطبيقات سطحية.
يشرح عويضة أن الذكاء الاصطناعي غالباً ما يُستخدم في واجهات المحادثة أو الخدمات البسيطة، ولا يزال غير مدمج في الوظائف الأساسية مثل إدارة الاحتيال، اتخاذ قرارات الائتمان، الاكتتاب، أو الأتمتة التشغيلية. يعود هذا القصور بشكل أساسي إلى تحديات البنية التحتية، حيث تجعل الأنظمة القديمة وتعدد منصات الموردين من الصعب دمج الذكاء الاصطناعي في صلب العمليات. بدون بيانات موحدة وبنية حديثة، تظل القدرات المتقدمة محدودة، مما يخلق مفارقة تتمثل في القدرة على إطلاق المنتجات بسرعة، ولكن بصعوبة في توسيع نطاقها بكفاءة.
التنفيذ… التحدي الحقيقي
مع نضوج السوق، تغير طبيعة التحديات. فالإطار التنظيمي واضح، والطلب قوي، والبنية الرقمية متاحة، لكن العائق أصبح في التنفيذ اليومي. تشير التقديرات إلى أن أكثر من 84 في المائة من المؤسسات المالية في السعودية تخطط لتحديث بنيتها التحتية خلال العام المقبل، مما يعكس إدراكاً واسعاً لطبيعة هذا التحدي.
يظهر هذا التحدي بوضوح في مجال التمويل، حيث لا تزال أكثر من 60 في المائة من المؤسسات تعتمد بالكامل على أنظمة قديمة، بينما تتجاوز نسبة الاعتماد على الموردين الخارجيين 87 في المائة. ولا يقتصر تأثير ذلك على البطء التشغيلي، بل يمتد إلى النتائج نفسها. ويشير عويضة إلى وجود «فجوة بين سرعة إطلاق المنتجات وسهولة تطويرها أو توسيعها». وفي كثير من الحالات، تفوّت المؤسسات بالفعل فرصاً تجارية لأن أنظمتها الأساسية لا تواكب النمو.
التجزئة… التكلفة الخفية للنمو
تمثل التجزئة أحد أبرز التحديات في هذه المرحلة. فأكثر من 73 في المائة من المؤسسات تعتمد بشكل كبير على شركاء خارجيين لإطلاق المنتجات وتحديثها. ورغم أن هذا النموذج ساعد على تسريع الابتكار، فإنه أدَّى أيضاً إلى زيادة التعقيد. ويوضح عويضة أن «الاعتماد على عدد كبير من الموردين المتخصصين يزيد من عبء التنسيق، ويبطئ التنفيذ، ويُشتّت المسؤوليات». ولا يقتصر الأمر على الكفاءة، بل يمتد إلى الحوكمة والامتثال والأمن. فالأنظمة المفككة تجعل تطبيق معايير موحدة أكثر صعوبة، وتتوزع المسؤولية عبر أطراف متعددة، ما يزيد من تعقيد إدارة المخاطر. النتيجة هي أن الابتكار يحدث في جيوب منفصلة، دون أن يمتد بشكل متكامل داخل المؤسسة.
البيانات… من عائق إلى محرك
في قلب هذه التحديات، تقف البيانات. في كثير من المؤسسات، تكون البيانات موزعة عبر أنظمة متعددة، مكررة، وتُعالج يدوياً أو تصل متأخرة. هذا لا يؤثر فقط على الكفاءة، بل يحد من الإمكانات. ويرى عويضة أن هذا الوضع «يقيد كل شيء»، وينعكس مباشرة على القدرة على تطبيق تقييم المخاطر في الوقت الحقيقي، والتسعير الديناميكي، والخدمات المالية المخصصة. كما أنه يفسر محدودية استخدام الذكاء الاصطناعي في الوظائف الأساسية.
في المقابل، عندما تُبنى الأنظمة على نماذج بيانات موحدة، يتغير المشهد بالكامل. يفسر عويضة: «عندما تعمل المؤسسات على نماذج بيانات موحدة وطبقات تحكم مشتركة، يتضاعف الابتكار». يمكن تسعير المنتجات بشكل ديناميكي، وتقييم المخاطر فورياً، وإتاحة خدمات جديدة عبر واجهات برمجية دون زيادة المخاطر التشغيلية. وفي هذا السياق، لم تعد «الخدمات المفتوحة» (Open Banking) مفهوماً مستقبلياً، بل واقعاً ناشئاً، وإن كان لا يزال مقيداً بتجزئة البنية التحتية.
التنظيم… عامل تمكين لا قيد
من أبرز نقاط القوة في السوق السعودية وضوح الإطار التنظيمي. وينوه عويضة «بتوفير الأطر الواضحة من البنك المركزي السعودي بيئة تمكّن المؤسسات من الابتكار بثقة، بدلاً من العمل بحذر ضمن تجارب معزولة». كما ساهمت مبادرات مثل «البيئات التجريبية التنظيمية» (sandbox) في تسريع الابتكار مع الحفاظ على الاستقرار.
التحدي في المرحلة المقبلة سيكون الحفاظ على هذا التوازن، أي تحقيق السرعة دون التفريط في الضوابط. فمع تطور السوق، يتغير دور الشركاء التقنيين، حيث لم يعد المطلوب تقديم أدوات منفصلة، بل دعم شامل يشمل الحوكمة والامتثال والأمن والتشغيل. وينصح عويضة «بأن يقلل الشركاء التعقيد، لا أن يزيدوه». كما يبرز هنا مفهوم الانضباط المعماري، إذ إن غياب تصميم تقني متماسك يجعل حتى أفضل الأدوات غير قادرة على تحقيق القيمة المرجوة.
الكفاءات البشرية والملكية
يشدد عويضة على أهمية وضوح المسؤوليات، مشيراً إلى أنه لا يمكن للتكنولوجيا وحدها أن تقود المرحلة المقبلة. ويضيف: «تفشل التقنيات المتقدمة عندما تكون المسؤولية موزعة بين فرق أو موردين أو وظائف مختلفة». المؤسسات الناجحة هي التي تحقق تكاملاً بين فرق الأعمال والتقنية والتشغيل، مع قدرة على اتخاذ القرار بسرعة. وفي الوقت نفسه، تمثل تنمية الكفاءات في السعودية، ضمن «رؤية 2030»، ميزة استراتيجية، خاصة في مجالات البيانات والذكاء الاصطناعي.
ولا يقتصر تأثير التطور المالي على القطاع نفسه، بل يمتد إلى «طريقة انتقال الأموال، وتوزيع رأس المال، وتصميم المنتجات المالية التي تحدد سرعة تطور الاقتصادات»، كما يرى عويضة. ويتابع: «عندما تصبح الأنظمة المالية أكثر كفاءة، يتسارع الابتكار في مختلف القطاعات».
كيف تبدو مرحلة النضج؟
في المرحلة المقبلة، لن يُقاس نجاح القطاع بعدد المنتجات الرقمية، بل بمدى كفاءتها وتكاملها. يتصور عويضة بيئة يمكن فيها إطلاق منتجات مالية متوافقة خلال أسابيع بدلاً من سنوات، دون زيادة المخاطر التنظيمية أو التشغيلية. كما ستلعب الأتمتة دوراً محورياً في تقليل الأعباء التشغيلية. ويصرح: «عندما تُزال القيود، فإن أفضل المنتجات لا تُخطط دائماً… بل تظهر تلقائياً».
لم تعد قصة «الفنتك» في السعودية تتعلق باللحاق بالركب. ففي كثير من المجالات، وصلت بالفعل إلى مستويات عالمية. المرحلة المقبلة ستكون أكثر أهمية، وستتمحور حول التنفيذ الفعال، والتوسع المستدام، وبناء أنظمة تدعم الابتكار المستمر.
