الذكاء الاصطناعي وواقع البيانات: هل تواكب البنية التحتية هذا التسارع؟

مع تسارع وتيرة تطور الذكاء الاصطناعي وتزايد دوره في توليد البيانات واستخدامها، يتزايد الاهتمام بالبنية التحتية الداعمة له. تتجاوز النقاشات المعتادة حول قوة الحوسبة وأداء النماذج لتشمل أهمية كيفية تخزين البيانات والوصول إليها وتوسيع نطاقها بكفاءة. يشير قادة الصناعة إلى أن هذا التحول يمثل تغيراً هيكلياً عميقاً، يتطلب إعادة تقييم شاملة لكيفية بناء وتطوير الأنظمة المستقبلية.

شددت شركة “سي غيت تكنولوجي” (Seagate Technology) على أن التحدي لم يعد يقتصر على معالجة البيانات، بل بات يتمحور حول القدرة على الاحتفاظ بها وتوسيع نطاقها بشكل مستدام. ووفقاً لديف موسلي، الرئيس التنفيذي للشركة، فإن ما يتم الإعلان عنه يعكس ضرورة تطور البنية التحتية لمواكبة النمو الهائل وغير المسبوق في حجم البيانات العالمي.

ما وراء الحوسبة: أهمية البنية التحتية لتخزين البيانات

يصعب تقدير حجم هذا النمو بدقة، حيث انتقل حجم البيانات العالمي من زيتابايت واحد في عام 2005 إلى أكثر من 70 زيتابايت في عام 2020، مع توقعات بإضافة مئات الزيتابايت في السنوات القادمة. لا يقتصر الذكاء الاصطناعي على كونه المحرك الرئيسي لهذا التوسع، بل تساهم عوامل أخرى مثل خدمات الحوسبة السحابية، وانتشار الفيديو، والأتمتة، والمتطلبات التنظيمية المتزايدة في تشكيل منظومة بيانات معقدة ومتنامية.

هذا التداخل بين تقنيات الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية يفرض إعادة صياغة لطريقة تقييم الأنظمة. وكما يوضح موسلي، لم تعد القصة تتمركز حول تقنية واحدة، بل حول البنية التحتية وتكاليفها. لم يعد السؤال هو ما إذا كان بالإمكان توليد البيانات أو معالجتها، بل ما إذا كانت الأنظمة الداعمة قادرة على التوسع بكفاءة لتلبية الطلب المتزايد.

يُعدّ أحد أبرز الاستنتاجات أن مسار تطور الذكاء الاصطناعي لا يمكن فهمه من خلال الحوسبة وحدها. فبينما تلعب المعالجات والمسرّعات دوراً حاسماً، فإن فعاليتها تعتمد بشكل مباشر على توفر البيانات. يقول موسلي: “ما يحدث عندما تنفد البيانات من منصات الحوسبة؟ هذه مشكلة.”

هذا الطرح يضع التخزين في قلب أنظمة الذكاء الاصطناعي. فالبيانات لا يجب فقط أن تكون متاحة، بل يجب تأمينها، وحمايتها، والقدرة على استرجاعها على نطاق واسع. في بيئات الحوسبة فائقة الحجم، حيث تتخذ القرارات الاستثمارية لخمس أو سبع أو حتى عشر سنوات، تتحول هذه المتطلبات إلى معادلة اقتصادية بقدر ما هي تقنية.

تصبح تكلفة التخزين لكل تيرابايت، واستهلاك الطاقة، وكثافة السعة لكل رف، عوامل حاسمة. وكما أكد موسلي: “الذكاء الاصطناعي لا يتوسع بالحوسبة فقط، بل يعتمد على اقتصاديات مستدامة، والتخزين هو ما يحدد هذه الاقتصاديات.”

من النمو إلى التراكم: الطبيعة المتضاعفة للبيانات

يرتبط جزء كبير من هذا التحول بطبيعة البيانات نفسها. فالذكاء الاصطناعي لا يكتفي باستهلاك البيانات، بل يضاعفها. يوضح بي إس تيه، الرئيس التجاري للشركة، أن “الذكاء الاصطناعي لا يستهلك البيانات فقط، بل يراكمها”. هذا يعني عملياً أن البيانات تُنسخ، وتُوزع، وتُحفظ، ويُعاد استخدامها لتدريب النماذج وإعادة تدريبها. كنتيجة لذلك، لم يعد نمو البيانات خطياً، بل أصبح متسارعاً ومتراكماً.

ويتجلى هذا الواقع في التوسع الهائل لمراكز البيانات عالمياً. يوجد حالياً أكثر من 11 ألف مركز بيانات، مع توقع ارتفاع هذا العدد إلى نحو 15 ألفاً خلال السنوات المقبلة. الأهم من العدد هو حجم هذه المراكز. فما كان يُعدّ مركزاً ضخماً سابقاً بقدرة 10 ميغاواط، تحل محله اليوم مراكز “عملاقة” تصل قدرتها إلى 100 أو حتى 300 ميغاواط.

يشير تيه إلى أنه “لا يكاد يمر يوم دون الإعلان عن بناء مركز بيانات جديد في مكان ما من العالم”. لكن التحول الحقيقي لا يكمن في العدد فقط، بل في الحجم المتزايد والضغط الكبير على البنية التحتية.

التوسع المستدام: تحديات التوسع دون اضطراب

مع هذا النمو المتسارع، لا يكمن التحدي فقط في زيادة السعة، بل في تحقيق ذلك دون إحداث اضطرابات تشغيلية. فمشغلو البنية التحتية الضخمة لا يمكنهم تحمل تغييرات جذرية متكررة. ويلفت موسلي الانتباه إلى أن بعض العملاء يتخذون قرارات استثمارية تمتد لخمس أو سبع أو حتى عشر سنوات، ويحتاجون إلى ثقة بأن كثافة التخزين ستستمر في التوسع دون تغييرات معمارية معطلة.

وهذا التركيز على القابلية للتنبؤ أصبح بحد ذاته ميزة أساسية. فالتطور يجب أن يكون تدريجياً ومستمراً، لا أن يفرض إعادة تصميم مكلفة في كل مرحلة. من جهته، يوضح جون موريس، المدير التقني، أن التقنيات التقليدية لزيادة الكثافة وصلت إلى حدودها، ويضيف: “تقنية التسجيل المغناطيسي التقليدية اقتربت من حدودها، ونحن بحاجة إلى ابتكارات جديدة لدفع الجيل القادم من التخزين.”

لهذا الغرض، طوّرت الشركة تقنية التسجيل المغناطيسي بمساعدة الحرارة (HAMR). تستخدم هذه التقنية تسخيناً دقيقاً بالليزر لزيادة كثافة البيانات دون تغيير الحجم الفيزيائي لوسائط التخزين. ويشرح موريس أن “الزيادة في السعة تتحقق من خلال الفيزياء الأساسية للتسجيل؛ ما يتيح اقتصاديات أفضل من حيث التكلفة لكل تيرابايت والاستثمار المطلوب”. الأهم أن هذه التقنية لم تعد في مرحلة التجارب، بل انتقلت إلى بيئات الإنتاج الفعلية، حيث تم اعتمادها من قبل عملاء في قطاع الحوسبة السحابية واسعة النطاق.

من الابتكار إلى الإنتاج الصناعي: تعزيز القدرات

تحويل الابتكار إلى منتج فعلي يتطلب أكثر من اختراق تقني، بل يحتاج إلى قدرة على التصنيع على نطاق واسع بدقة عالية. حول ذلك، يقول موريس إن “نقل هذه التقنية من البحث إلى الإنتاج تطلب تطوير تقنيات جديدة بالكامل”، مشيراً إلى التقدم في المواد، والفوتونيات، وعمليات التصنيع الدقيقة. وهذا ما يتيح التوسع التدريجي دون انقطاع. فكل جيل جديد يبني على السابق، ما يسمح بزيادة السعة دون الحاجة إلى إعادة تصميم الأنظمة بالكامل.

على مستوى البنية التحتية الضخمة، حتى التحسينات الصغيرة تُحدث فرقاً كبيراً. ويفسر موسلي بأنه في بيئة تخزين بحجم إكسابايت واحد، يمكن تحقيق تحسن في كفاءة الطاقة بنحو 47 في المائة مقارنة بالأنظمة السابقة، مع تقليل عدد الأقراص من نحو 50 ألفاً إلى نحو 22 ألفاً، مما يؤدي إلى تقليل المساحة، والتبريد، والتعقيد التشغيلي.

هذه ليست تحسينات هامشية، بل تغييرات تؤثر مباشرة على التكلفة والبنية. وأشار تيه إلى أن الاستدامة أصبحت عاملاً مؤثراً في قرارات الشراء، قائلاً: “لم تعد الاستدامة مسألة ثانوية”، في إشارة إلى أهمية استهلاك الطاقة والبصمة الكربونية. كما أن نظرة المؤسسات إلى البيانات قد تغيرت، حيث إنه “في السابق كانت البيانات تعد تكلفة، أما اليوم فهي أصل استراتيجي يتراكم بمرور الوقت”.

السؤال الحاسم: مستقبل البنية التحتية للبيانات

تشير هذه التطورات إلى تحول أوسع في تصميم بنية الذكاء الاصطناعي. فالتخزين، الذي كان في الخلفية، أصبح اليوم في صميم التخطيط. في السابق، كانت الأولوية للحوسبة والذاكرة والشبكات. أما اليوم، فأصبح التخزين عاملاً حاسماً في قدرة الأنظمة على التوسع. وكما وصفه تيه: “كان التخزين مثل الهواء أو الماء، أساسياً، لكنه غير مرئي… إلى أن يغيب”. اليوم، لم يعد كذلك، بل أصبح محورياً في بناء القدرات الرقمية.

بالنسبة لقيادة الشركة، يتجاوز هذا التحول حدود التقنية ليطرح سؤالاً أساسياً حول مستقبل الذكاء الاصطناعي. وباعتقاد موسلي أن “السؤال الأهم لهذا العقد ليس مدى سرعة تدريب النماذج، بل مدى قدرة البنية التحتية للبيانات على التوسع بشكل مستدام”.

هذا الطرح يعيد توجيه النقاش، حيث إن مستقبل الذكاء الاصطناعي قد لا يعتمد فقط على تطور النماذج، بل على القدرة على إدارة البيانات على نطاق غير مسبوق بكفاءة واستقرار ودون انقطاع. وبهذا المعنى، قد لا يُقاس تقدم الذكاء الاصطناعي بذكائه فقط، بل بالبنية التحتية التي تجعله ممكناً.

شاركها.