لم تعد الهواتف الذكية مجرد أدوات اتصال، بل أصبحت المركز المتكامل لحياتنا الرقمية، متصدرةً قائمة الأجهزة التي نعتمد عليها يومياً. لقد أحدثت هذه الأجهزة ثورة في طريقة استهلاكنا للوسائط، حيث أزاحت جانباً أجهزة كانت في يوم من الأيام أساسية، مثل مشغلات الموسيقى الرقمية والكاميرات المدمجة. ومع ذلك، فإن التطور التكنولوجي المتسارع لم يلغِ قيمة الأجهزة القديمة التي قد تكون مخبأة في أدراجنا. بالنسبة للكثيرين، قد يمثل جهاز “آيبود” قديم، أو كاميرا رقمية صبورة، كنزاً من الذكريات الرقمية ينتظر الاستعادة.
إذا كنت من بين الذين فقدوا مجموعتهم الموسيقية الشخصية بسبب عطل في الكمبيوتر، فإن جهاز “آيبود” الذي احتفظت به قد يكون مفتاح استعادة تلك الأغاني الثمينة. وبالنسبة للكاميرا القديمة التي بالكاد تستخدمها، فإن فرصة إهدائها لمصور شاب طموح يمكن أن تكون مربحة للطرفين، مانحةً الجهاز حياة جديدة ومساهمةً في تطوير موهبة ناشئة. هذه المقالة ستستعرض كيفية البدء في استعادة بياناتك القديمة وإعادة إحياء هذه الأجهزة.
استعادة البيانات من الأجهزة القديمة: دليل شامل
في بداية الألفية الجديدة، تميزت الأجهزة التكنولوجية بتصاميم فريدة، وغالباً ما كانت تتطلب كابلات USB محددة للتوصيل بالكمبيوتر. أما أجهزة “آيبود” الأولى، فكانت تعتمد على وصلات “فاير واير” (FireWire)، وقد تحتاج بعض الطرازات إلى مصدر طاقة منفصل للشحن. لحسن الحظ، لا تزال الشركات الكبرى مثل “أبل”، “مايكروسوفت”، “سامسونغ”، و”سوني” تحتفظ بأدلة المستخدم لأجهزتها القديمة على مواقعها الإلكترونية.
بالإضافة إلى ذلك، توفر مواقع مثل “مانوالز أونلاين” (Manuals Online) و”مانوالز ليب” (ManualsLib) مستودعات ضخمة من الأدلة الرقمية. إذا لم تتمكن من العثور على الكابل الأصلي، فإن متاجر التجزئة الكبرى مثل “بيست باي” (Best Buy) أو “أمازون” (Amazon) قد توفر بدائل. من الضروري تحديد نوع الكابل المطلوب بدقة، حيث تطورت موصلات USB عبر السنين، لتشمل موصلات “Dock” و”Lightning” الخاصة بـ”أبل”. بعض أجهزة الكمبيوتر الحديثة تعتمد حصرياً على منافذ USB-C الأصغر والأسرع، مما قد يتطلب استخدام موزع USB (Hub) أو محول (Adapter) لتوصيل الأجهزة القديمة. كن حذراً عند شراء محولات “فاير واير” إلى USB، فقد تكون مزيفة نظراً للاختلاف الجوهري بين التقنيتين.
التعامل مع أجهزة “آيبود”
جهاز “آيبود” من “أبل”، الذي قدم لأول مرة قبل 25 عاماً وأُوقف إنتاجه نهائياً في عام 2022، كان ولا يزال رمزاً لمشغلات الموسيقى. ولحماية محتواها من القرصنة، قامت “أبل” بتصميم الأجهزة لتدعم نقل الموسيقى في اتجاه واحد فقط: من الكمبيوتر إلى “الآيبود”.
بينما يمكن إعادة تنزيل الموسيقى المشتراة من المتاجر الرقمية غالباً، فإن الملفات التي لم يتم نسخها احتياطياً قد يكون استعادتها معقدة. إذا كان جهاز “آيبود” الخاص بك هو المستودع الوحيد للمقاطع التي نسختها من أقراص CD أو مصادر أخرى، فستحتاج إلى تجاوز هذه القيود. بدأت “أبل” في التخلي تدريجياً عن برنامج “آيتونز” (iTunes) لصالح تطبيق “ميوزيك” (Music) في أنظمة تشغيل “ماك” (Mac) و”ويندوز” (Windows) الأحدث.
عند توصيل جهاز “آيبود” بجهاز كمبيوتر يستخدم أياً من هذين البرنامجين، أو متصفح الملفات “فايندر” (Finder) في نظام “ماك”، وكان لديك مكتبة وسائط مختلفة، تجنب السماح للبرنامج بالمزامنة التلقائية مع “الآيبود” القديم، لأن ذلك قد يؤدي إلى مسح الملفات الموجودة عليه. بدلاً من ذلك، اختر خيار “الإدارة اليدوية” (Manually Manage) لجهاز “آيبود”.
تختلف خطوات استعادة الملفات المحددة بناءً على نوع الكمبيوتر، وطراز “الآيبود”، والبرامج المستخدمة. تقدم منتديات الدعم الخاصة بـ”أبل” والمواقع المتخصصة نصائح مفصلة لسيناريوهات مختلفة. إذا وجدت التعليمات معقدة تقنياً، فإن برامج إدارة الملفات مثل “آي إكسبلورر” (iExplorer)، “آي ميزينغ” (iMazing)، “شيربود” (Sharepod)، أو “تاتش كوبي” (TouchCopy) تبسط العملية بشكل كبير، حيث تعرض محتويات “الآيبود” على الشاشة لتتمكن من اختيار الملفات التي ترغب في نقلها مرة أخرى إلى الكمبيوتر (تبدأ أسعار هذه البرامج من حوالي 30 دولاراً).
إلى جانب ملفات الموسيقى، تستطيع هذه البرامج نقل قوائم التشغيل، ومقاطع الفيديو، وغيرها من المحتويات المخزنة على الجهاز. من المتوقع أن تعمل الملفات التي قمت بإنشائها بشكل جيد بعد نقلها، أما المقاطع المحمية بحقوق الطبع والنشر، فقد تتطلب كلمة مرور لتشغيلها.
الأجهزة الأخرى
غالباً ما توفر مشغلات MP3 من شركات أخرى عملية نقل ملفات أسهل، خاصة تلك التي تعمل كأقراص صلبة خارجية، مما يتيح لك نسخ الملفات ببساطة باستخدام مستعرض الملفات في “ويندوز” أو “فايندر” في “ماك”.
تستخدم بعض مشغلات الموسيقى، مثل أجهزة “وكمان” (Walkman) الرقمية من “سوني”، برنامج “مشغل وسائط ويندوز” (Windows Media Player) لإدارة الملفات. يمكنك العثور على تعليمات محددة لمختلف الأجهزة من خلال البحث عبر الإنترنت أو في أدلة المستخدم الخاصة بها.
بالنسبة للكاميرا الرقمية القديمة، إذا وجدت صوراً تريد الاحتفاظ بها أثناء تصفح وضع “العرض” (Playback mode)، قم بتوصيلها بالكمبيوتر باستخدام الكابل المناسب. إذا لم يفتح برنامج استيراد الصور الافتراضي تلقائياً، استخدم مستعرض الملفات في “ويندوز” أو “فايندر” في “ماك” لتصفح ونسخ محتويات بطاقة الذاكرة (Memory Card)، بمجرد ظهورها كقرص خارجي.
إذا تعذر العثور على كابل الكاميرا، فإن العديد من أجهزة الكمبيوتر المحمولة تحتوي على منافذ مدمجة لقراءة بطاقات الذاكرة من نوع SD. وإذا كان جهازك لا يحتوي على هذه المنافذ، فيمكنك العثور على محولات رخيصة الثمن لبطاقات SD وتنسيقات أخرى.
إعادة التدوير أم إعادة التشغيل؟
بعد إنقاذ ملفاتك القديمة ونسخها احتياطياً على خادم سحابي (Cloud) أو قرص صلب خارجي، يمكنك حينها تحديد مصير الجهاز القديم. تشمل الخيارات المتاحة مسح بياناته تماماً، ثم إما أخذه إلى مركز لإعادة تدوير النفايات الإلكترونية، أو بيعه.
إذا كنت لا تزال تستخدم جهازك ولكن به مشكلة تقنية، مثل ارتخاء مقبس سماعة الرأس، فكر في الاستعانة بخدمة إصلاح الإلكترونيات. أو يمكنك محاولة إصلاحه بنفسك باستخدام الدروس التعليمية من موقع “آي فيكس إت” (iFixit)، الذي يقدم أدلة خطوة بخطوة، وكتيبات إرشادية، وقطع غيار لكثير من الأجهزة (بما في ذلك بطاريات آيبود). كما يوفر الموقع أيضاً مساعداً ذكياً “فيكس بوت” (FixBot) مدعوماً بتقنية الذكاء الاصطناعي للاستشارة.
توريث هذه الأجهزة لجيل أصغر، لا سيما الجيل الذي يبدي اهتماماً بالتكنولوجيا القديمة، يوفر متنفساً للإبداع، فضلاً عن منحهم لمحة عن شكل الحياة قبل سيطرة الجوالات الذكية على كل شيء.
تُعد هذه المبادرات خطوة مهمة نحو استدامة الموارد الرقمية، وتمكين الأجيال القادمة من فهم تطور التكنولوجيا. ستشهد الفترة القادمة المزيد من الاهتمام بإعادة إحياء الأجهزة القديمة، خاصة مع ارتفاع الوعي البيئي والرغبة في الحفاظ على الذكريات الرقمية.
