وهبي: 20 سنة سجنا لمسربي المحاضر.. ولن أرضي الساسة على حساب جودة القانون

أكد وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، أن مسألة التصوير داخل مخافر الشرطة، كما نص عليها مشروع قانون المسطرة الجنائية، خضعت لنقاش طويل، موضحا أن تصوره يقوم على تسجيل جميع مراحل البحث والتحقيق، مقابل تشديد العقوبات على تسريب أسرار محاضر التحقيق، لتصل إلى 20 سنة سجنا.
غير أن وهبي تساءل في هذا الصدد: “هل يمكن أن نعرّض المحامي لهذه العقوبة، حتى لو خُفِّضت إلى سنتين أو خمس سنوات؟ سيكون ذلك انتهاكا لحقوقه”. وأضاف أن هذا النقاش أفرز أسئلة أخرى، منها: كم عدد مخافر الشرطة والفرق الجنائية في كل مدينة لضمان تنفيذ هذا الإجراء؟ ومن سيكون المسؤول عن عملية التصوير؟
تصريحات وهبي جاءت خلال يوم دراسي نظمته فرق الأغلبية، اليوم الخميس، بمجلس النواب، حول مستجدات المسطرة المدنية، حيث أكد خلال مداخلته أن “هذا القانون ليس نصا مقدسا، بل هو اجتهاد بشري قابل للتطوير والتعديل”، مضيفا أن “قرار تعديله ليس بيد وزير العدل وحده، فهو جزء من منظومة تُعرف باسم الحكومة، ومنظومة أخرى تُعرف باسم الدولة”.
وشدد على أن إعداد القوانين لا يعكس رغبات شخصية أو ذاتية، بل هو نتاج تفاعل عدة عوامل، منها النسق القانوني الوطني، والنسق المؤسساتي للدولة، والإمكانيات المتاحة لدى الحكومة والإدارة لتنفيذه. وقال: “عندما تكون في الحكومة، لا يمكنك اتخاذ القرار منفردا”.
وأوضح الوزير أن “عند صياغة أي نص قانوني، قد تكون الطموحات كبيرة، لكن عند التطبيق تظهر التحديات، إذ يشتكي صاحب الميزانية، وتعترض الإدارة، وتواجه النص معارضة داخلية وخارجية. ومن الطبيعي أن يتم البحث عن توافق يرضي جميع الأطراف، مما يستلزم تقديم تنازلات، وهو أمر شائع في التشريع وإدارة الدولة”.
وأضاف وهبي أن الطموحات كبيرة، لكن الواقع يفرض نفسه، مشيرا إلى أنه “في السياسة والتشريع، لا يمكن تحقيق سوى الممكن”. ولفت إلى أن هناك قضايا حساسة خضعت لنقاش معمق، مثل تمثيل الجريمة، الذي أسهم في تبرئة متهمين في قضايا متعددة، لكنه في الوقت ذاته يطرح إشكالات، قائلا: “لا يمكننا السماح بجلب متهم والتجول به في الشارع. فكيف نحميه من الفضوليين؟”.
وأشار المسؤول الحكومي إلى أن المسطرة الجنائية تتضمن 400 فصل، وكل فصل يطرح إشكالات تتطلب إمكانيات مالية لتنفيذه، موضحا أنه: “في البرلمان، يأخذ النقاش طابعا سياسيا، بينما في الندوات يأخذ طابعا قانونيا، والوزير يجد نفسه بين هذين الاتجاهين. لكنني لن أرضي السياسيين على حساب جودة النص القانوني”.
وأكد وهبي أن “السياسي يسعى إلى تعزيز موقعه، بينما القانوني يسعى إلى تحسين النص. لذلك، أفضّل مناقشة القانونيين، لأن هدفهم هو تجويد النص، على عكس السياسي الذي قد يسعى إلى استغلاله لأغراض أخرى”، مضيفا أن القانون لا يُصحَّح إلا بالقانون. وخلال النقاش في اللجنة البرلمانية، بدأ الجدل سياسيا لكنه انتهى قانونيا.
وأردف أن البرلمان يضم قوتين: الأولى تسعى لتقوية النص القانوني، والثانية تسعى إلى هدمه لتحقيق أهداف سياسية، لكن في النهاية، النقاش يظل قانونيا، مفيدا بأن السؤال الأهم: هل تضمن المسطرة الجنائية شروط المحاكمة العادلة؟ هذا ليس مرتبطًا بالنص وحده، بل بفهم القضاة، وبقدرة المحامين وإمكانياتهم.
وخلص وزير العدل إلى أن “النص وحده لا يكفي، بل يحتاج إلى من يُفعّله. والسؤال الأخير: هل سينجح القضاة والمحامون في إعطاء حياة أفضل لهذا النص، أم سيفرغونه من مضمونه؟”.
المصدر: العمق المغربي