دينامية المقاولات في المغرب.. فرص تشغيل واعدة تواجه تحديات التمويل والإفلاس

يواصل النسيج المقاولاتي في المغرب تسجيل أرقام إيجابية تعكس دينامية ريادة الأعمال رغم التحديات الاقتصادية والإدارية التي تواجه المستثمرين، فقد بلغ عدد المقاولات المحدثة خلال سنة 2024 ما مجموعه 95.256 مقاولة، وفق معطيات المكتب المغربي للملكية الصناعية والتجارية، مما يدل على حيوية المشهد الاقتصادي الوطني وقدرته على استقطاب مزيد من المشاريع الجديدة في مختلف القطاعات.
قطاع التشغيل
وتكشف هذه الأرقام عن استمرار تفضيل الاستثمار في قطاعات معينة، حيث استحوذ القطاع التجاري على الحصة الأكبر من المقاولات الجديدة، يليه قطاع البناء والأشغال العمومية، ثم الخدمات المتنوعة، كما شهدت قطاعات أخرى مثل النقل، الصناعة، الفندقة والمطاعم، وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات إقبالا متزايدا، ما يعكس تنوع الفرص الاستثمارية في السوق المغربية.
في هذا السياق اعتبر خبير التخطيط الاستراتيجي، أمين سامي، أن تسجيل 95,256 مقاولة جديدة بحلول نهاية 2024، سيكون له عدة انعكاسات إيجابية على قطاع التشغيل، خاصة مع الأوراش الكبرى التي فتحها المغرب بخصوص كأس العالم 2030، مثل إحداث وتحديث المرافق العمومية والبنية التحتية الأساسية والرقمية والمرافق الرياضية وغيرها.
وتوقع المتحدث أن تكون لهذه المقاولات تأثيرات سواء مباشرة أو غير مباشرة على سوق العمل، من خلال المساهمة في خلق فرص عمل جديدة، إذ من المتوقع أن توفر هذه المقاولات عشرات الآلاف من مناصب الشغل، خاصة في القطاعات الإنتاجية والخدماتية، كما أن المقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة (TPE/PME) تعتبر المشغل الرئيسي في المغرب، حيث تستوعب حوالي 70% من القوى العاملة في القطاع الخاص.
وأكد سامي، أن هذه المقاولات يمكنها المساهمة في تعزيز ريادة الأعمال وتقليل البطالة، من خلال دعم المقاولين الجدد والمشاريع الناشئة ما يسهم في تشغيل الشباب وتقليص البطالة، خاصة بين الفئات المتعلمة، إضافة إلى ذلك فإن المقاولات المحدثة من شأنها المساهمة في تحفيز القطاعات الاستراتيجية، خاصة وأن أغلب المقاولات الجديدة تم إحداثها في قطاعات مثل التجارة، الخدمات الرقمية، البناء، والصناعة التحويلية، مما يدعم تطور هذه المجالات وخلق طلب جديد على الوظائف.
تحديات مستمرة
وأورد المحلل أن الرقم المعلن من شأنه المساهمة في تعزيز المرونة داخل سوق العمل، عن طريق توفير أنماط تشغيل جديدة، مثل العمل الحر (Freelance) والعمل عن بعد.
ورغم هذه الارتفاعات، وما يمكن أن تحمله من دلالات إيجابية على الاقتصاد الوطني، إلا أن التقرير السنوي للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، برسم سنة 2023، نبه إلى ارتفاع وتيرة الإفلاس في صفوف المقاولات في المغرب، بفعل تضافر مجموعة من العوامل، إذ ارتفعت حالات الأفلاس بـ15 في المائة مقارنة سنة 2021.
وفي حديثه عن أهم التحديات التي تواجه المقاولات المغربية أشار الخبير في التخطيط الاستراتيجي، أمين سامي، إلى بعض العوامل الرئيسية التي تقف أمام المقاولات، مشددا على ضرورة اتخاذ خطوات جادة لمواجهة هذه التحديات وتحقيق النمو المستدام.
أولى هذه التحديات تتمثل في صعوبة الولوج إلى التمويل، حيث يعتبر سامي أن العديد من المقاولات الصغيرة والمتوسطة تعاني من صعوبة كبيرة في الحصول على التمويلات اللازمة لدعم استمراريتها وبقائها في السوق، مسجلا أن الأمر يتطلب تطوير آليات جديدة للتمويل، بالإضافة إلى ضرورة توفير الدعم المستمر لهذه المقاولات لضمان تقوية مركزها التنافسي في السوق المحلي والدولي، وبالتالي فإن تطوير الأدوات المالية المناسبة يمكن أن يسهم في تذليل العقبات التي تواجهها هذه المقاولات.
أما التحدي الثاني فيتمثل في تعقيد المساطر الإدارية، حيث يعاني أصحاب المقاولات من الإجراءات البيروقراطية المعقدة التي تعيق سرعة فتح المشاريع وتسيير الأعمال اليومية، ويعتقد أمين سامي أن تبسيط هذه المساطر ورقمنتها يعتبر خطوة أساسية لتحفيز المستثمرين وتسهيل عملية تأسيس المقاولات، مما يسهم في تسريع الإجراءات وتقليل الوقت المستغرق للحصول على التراخيص اللازمة.
تطوير نموذج اقتصادي
واعتبر سامي أن المنافسة القوية، وضعف التنافسية هي من أبرز التحديات التي تواجهها المقاولات المغربية، خاصة في ظل سوق مفتوح يتميز بالعديد من اللاعبين المحليين والدوليين، لذلك، يوصي الخبير بضرورة العمل على تعزيز المنتوج المغربي وتحسين جودته، مما يمكن الشركات المغربية من تعزيز مكانتها في السوق.
وأضاف: “من المهم ابتكار منتجات وخدمات جديدة تتماشى مع المتغيرات التي فرضتها الثورة الصناعية الرابعة، مع ضرورة تطوير اقتصاد المنصات الذي يعتبر أحد أبرز الاتجاهات المستقبلية”.
وأشار المتحدث إلى أن تطوير العنصر البشري يعد من الركائز الأساسية لنجاح المقاولات المغربية، وبالتالي فإن توفير بيئة حاضنة للمواهب واستقطاب الخبرات الدولية في مختلف المجالات يمكن أن يسهم بشكل كبير في تحسين جودة الإنتاج والتنافسية، بالإضافة إلى تعزيز تبادل الخبرات مع الدول المتقدمة، والاستفادة من التجارب الدولية الناجحة، ناهيك عن تطبيق نظام المقارنة المرجعية “Benchmarking” لتحسين الأداء العام.
أما على مستوى تحفيز مناخ الأعمال المحلي، يرى أمين سامي، أن تشجيع الابتكار والبحث العلمي يعد من العوامل الأساسية التي يمكن أن تدعم الشركات الناشئة وتعزز قدراتها على تقديم حلول مبتكرة للتحديات المستقبلية، مشددا على أن استثمار الحكومة في الابتكار يمكن أن يساهم في خلق بيئة اقتصادية حيوية، ويحفز الشركات على تحسين إنتاجيتها وقدرتها على التنافس في الأسواق العالمية.
وأخيرا، أكد خبير التخطيط الاستراتيجي، أمين سامي، أن الحلول المستقبلية تكمن في تطوير نموذج اقتصادي جديد يجمع بين الرقمنة، الاستدامة، والتضامن، من خلال ما يعرف بالاقتصاد المترابط 4.0، ويؤكد أن هذا النموذج المركب، الذي يجمع بين الاقتصاد الرقمي، الاقتصاد الدائري، والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، يعتمد على التكامل بين التكنولوجيا المتقدمة والاستدامة البيئية، ويهدف إلى تعزيز العدالة الاجتماعية.
المصدر: العمق المغربي