اخبار المغرب

دراسة تلامس اصطدام إصلاحات منظومة التوجيه بـ”إقصائية النموذج الأكاديمي”

يظهر أن “الإصلاحات المتوالية لمنظومة التوجيه بالمغرب تصطدم بقوة النموذج الأكاديمي الذي يظل حاملا مجموعة من الخصائص التي تجعل منه نموذجا إقصائيا واصطفافيا، بل ومقاوما لأي سياسات تربوية تهدف إلى تغيير بنيته، لكن بالمقابل لا يمكن إنكار أنه مقبول اجتماعيا إلى حد الآن”.

كانت هذه أبرز الخلاصات التي توصلت إليها دراسة نشرت ضمن عدد هذا الشهر من المجلة الدولية للدراسات التربوية والنفسية، التي تصدر عن المركز الديمقراطي العربي للدراسات الإستراتيجية، الاقتصادية والسياسية، وأكدت أن “منظومة التوجيه التربوي بالمغرب، رغم وجود نوع من الدينامية الملموسة التي تم غرسها من خلال مجموعة من الإصلاحات، ظلت تعيش وضعية موسومة بالكثير من مظاهر التأزم”، التي تتجلى في “نقص الفعالية على مستوى توجيه وإرشاد المتعلمين”.

وضعية ترجع بالأساس إلى كون التوجهات التي تستند إليها الرؤى الإصلاحية لمنظومة التوجيه المغربية “تميل أكثر إلى التدبير التربوي والنفسي لعمليات التوجيه، مع إغفال باقي المتغيرات الأخرى، كالسياق السياسي؛ إذ غالبا ما تتشكل منظومات التوجيه وفق الأنظمة السياسية في المجتمعات، وكثيرا ما تكون انعكاسا للواقع السياسي القائم، إضافة إلى الشرط الاقتصادي والإرث التاريخي، وجهاز البيروقراطية الذي ينتدب لوضع المخطط الإصلاح موضوع التنفيذ”.

وحاولت الدراسة ذاتها مقاربة منظومة التوجيه الوطنية باعتماد تصنيف “Verdier” الذي يعتبر أن سياسات التوجيه “لا يمكن فهمها إلا ضمن منظور الاتفاقات المجتمعية ذات الصلة بالتربية والتكوين”، وميز بين أربعة “اتفاقات مثالية” تهيمن على المنظومات التعليمية في العالم، أبرزها “الاتفاق الأكاديمي” الذي يقيس المتعلم بمستوى شهادته قبل أن يلج إلى سوق الشغل، وهو المعتمد في كوريا الجنوبية، ثم “الاتفاق المهني” الذي تعتمده ألمانيا، الذي يرتكز بالأساس على علاقة التعاون ما بين المقاولات والمدارس؛ إضافة إلى كل من “الاتفاق الكوني” الذي يركز على التكوين المندمج لتحقيق المساواة وتكافؤ الفرص، على غرار النموذج الكيبيكي، و”الاتفاق التجاري” الذي يترك للأفراد والمؤسسات حرية الاختيار، مع اقتصار تدخل المؤسسات العمومية على ضمان المنافسة الحرة لا غير، وهو النموذج المعتمد في إنجلترا.

على ضوء ما سبق، تتساءل الدراسة عينها: “ما هي دلالات وأبعاد نظرية الاتفاقات هذه في ظل المخططات الإصلاحية التي عرفتها منظومة التوجيه التربوي بالمغرب؟”. يجيب المصدر ذاته بأن “منظومة التوجيه المدرسي والمهني بالمملكة ارتبطت بالتحولات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي شهدتها البلاد”، مؤكدا أن “التطورات المختلفة التي عرفتها هذه المنظومة رسخت اتفاقات مجتمعية ارتبطت بسياقات متنوعة وبتصورات مختلفة لمنظومة التكوين”.

في الصدد ذاته، وفي إطار تتبعها سيرورة الإصلاح التربوي بالمغرب، ميزت الدراسة عينها بين حقبتين أساسيين في مسار هذا الإصلاح، الأولى عرفت “هيمنة الاتفاق الأكاديمي، مع حضور مرحلي للاتفاق الكوني”، أما الثانية فتميزت بـ”بروز اتفاق مندمج مهني تجاري”، إثر تفعيل الرؤية الإستراتيجية للإصلاح 20152030، وحدوث تغييرات كبيرة على مستوى آليات المواكبة والتوجيه.

ورغم أن النتائج المحققة في هذا الإطار “لم ترق إلى مستوى التطلعات، نظرا لقوة حضور الاتفاق الأكاديمي وضعف آفاق الاندماج المهني وعدم ملاءمة المقررات الدراسية مع اكتساب المهارات المهنية”، إلا أن الدراسة سجلت “وجود إرادة قوية لتطوير السياسات التربوية”، من أعلى سلطة في البلاد، الملك محمد السادس، ومن الحكومات المتعاقبة التي تركز في برامجها على إرساء هذا النوع من التكوينات في برامجها.

وخلصت الوثيقة إلى أن “آليات التوجيه التربوي بالمغرب، رغم مخططات الإصلاح السابقة، مازالت تخضع إلى حدود الآن وبشكل ضمني للمساطر نفسها، وللإجراءات الإقصائية القديمة نفسها، المبنية على معايير إعلامية وتحصيلية أكثر منها تلك التي تستحضر الاختبار الذاتي للمتعلم، أخذا بالاعتبار ميولاته وملكاته”؛ وذلك من خلال “إدماجها فكرة التصنيف والتمييز المبنية على معايير التفوق بالانتقاء والمكرسة لمفهوم الفشل أو التعثر”، لتظل بذلك الشعب والمسالك الدراسية العلمية والتكنولوجية، والتكوينات ذات الاستقطاب المحدود، “الطريق الملكي لمزاولة مهن مرموقة اجتماعية، وبهذه الميزة يستمد النموذج المغربي البعد الإنصافي للانتقاء”.

المصدر: هسبريس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *