جدل مصري حول اكتمال بناء سد النهضة لا يغير من واقع وجوده

أثارت تصريحات رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد عن إمكانية الإعلان عن اكتمال بناء سد النهضة بحلول ديسمبر المقبل جدلا في الأوساط الشعبية والأكاديمية المصرية، في ما فضل الجانب الرسمي التزام الصمت.
القاهرة عاد سد النهضة إلى الواجهة في مصر عقب إعلان رئيس الحكومة الإثيوبية آبي أحمد اكتمال إنشائه قبل نهاية العام الجاري، ما أسفر عن غضب شعبي، وجدل بين خبراء المياه حول دقة المعلومات التي راجت مع تشغيل توربينين جديدين، ما يعزز قرب الانتهاء من ملء السد والاستعداد لتشغيله، وسط جمود العمل الدبلوماسي الخاص وتعثر مفاوضات التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم للملء والتشغيل.
وأعلن آبي أحمد الاثنين اكتمال بناء سد النهضة على النيل الأزرق، وأن بلاده يمكنها الإعلان عن اكتمال سد النهضة بنسبة مئة في المئة بحلول ديسمبر المقبل، واصفا ذلك بـ”الإنجاز التاريخي والذي يمثل نموذجا للعالم وأفريقيا”.
ووجدت تصريحات رئيس الحكومة الإثيوبية اهتماما شعبيا وأكاديميا في مصر، وسط صمت رسمي غير معهود، حيث كانت القاهرة تقوم بالرد على أيّ تطورات أو تصريحات تصدر عن أديس أبابا خاصة بالسد لتأكيد حقوقها وعدم الاعتراف بالمستجدات، ورفع العتب السياسي.
وذهبت تقديرات بعض الخبراء إلى أن الحديث عن اكتمال الإنشاءات عملية “خادعة” وأن الأعمال الخرسانية قد تكون اقتربت من الانتهاء، لكن على مستوى توليد الكهرباء فذلك محل شك، لكن هذه الرؤية تم التقليل منها من زاوية أن ملء خزان السد في حد ذاته هدف إستراتيجي أهم من توليد الكهرباء.
وأوضح آبي أحمد أن نسبة إجمالي المياه المحتجزة في بحيرة السد بلغت 62.5 مليار متر مكعب، متوقعًا أن تتراوح كمية المياه المحتجزة حتى ديسمبر المقبل بين 70 إلى 71 مليار متر مكعب، من إجمالي السعة الكلية للسد البالغة 74 مليار متر مكعب، وسيتم تشغيل 3 توربينات أخرى في ديسمبر المقبل، ليبلغ إجمالي التوربينات العاملة سبعة، فضلا عن حجز 900 مليون متر مكعب يوميًا منذ الأسبوع الماضي.
عباس شراقي: الحديث عن اكتمال بناء السد وبدء تشغيله ليس دقيقَا
عباس شراقي: الحديث عن اكتمال بناء السد وبدء تشغيله ليس دقيقَا
وخلّف الجدل حول سد النهضة وتطوراته التي تتزامن مع موسم الفيضان هواجس من أن تكون أديس أبابا ماضية في خططها المنفردة للملء والتشغيل دون تعاون مع دولتي مصر والسودان، ما ينذر بأضرار خطيرة عليهما غير واضح كيفية التعامل معها.
وقال أستاذ الموارد المائية والري بكلية الدراسات الأفريقية في جامعة القاهرة عباس شراقي إن التعامل مع الوضعية الراهنة بيد المسؤولين المصريين، والمشكلة الأكبر تتمثل في أنه منذ إعلان فشل المفاوضات غابت التحركات الدبلوماسية لاستباق الملء الخامس بداية هذا الصيف، ومع إقدام أديس أبابا على الخطوة لم نجد رد فعل رسمي على الانتهاك الجديد، وكان من المفترض إطلاع مجلس الأمن على هذه التطورات.
وأضاف في تصريح لـ”العرب” أن التحركات يجب أن تكون من الجانب المصري الأكثر تضررا، خاصة مع تدهور الأوضاع في السودان، وأن عدم تأثر المواطنين في مصر مباشرة من سد النهضة حتى الآن لا يعني أن الدولة لم تتضرر، وأن كلفة منع الضرر باهظة الثمن، وأسهم السد العالي في التعامل مع خسائر تراجع إمدادات المياه، لافتا إلى أن طمأنة المواطنين أمر مهم لتقوية موقف الدولة كي لا تدخل مفاوضات جديدة وهي في وضعية ليست قوية.
وفنّد عباس شراقي تصريحات آبي أحمد في حديثه لـ”العرب” قائلاً “الحديث الإثيوبي عن تخزين 71 مليار متر مكعب بحلول ديسمبر المقبل يصعب حدوثه عمليا، ففي هذا التوقيت لا توجد أمطار، وتصل السعة التخزينية الآن إلى 54 مليار متر مكعب ما يشير إلى أن أديس أبابا في حاجة إلى ملء سادس العام المقبل، ومن ثم فالحديث عن اكتمال بناء السد وبدء تشغيله ليس دقيقَا”.
وأكد رئيس لجنة التفاوض الإثيوبية سليشي بقلي على حسابه عبر منصة إكس انتهاء بلاده من بناء السد الخرساني، باستثناء اللمسات النهائية لأعمال التشطيب، وتم شغيل توربينين بقدرة 400 ميغاواط لكل منهما، مشددا على مواصلة العمل لتحقيق قدرة إجمالية تبلغ 5150 ميغاواط، ما يجعلها أكبر محطة مائية في أفريقيا.
غير أن شراقي كشف في حديثه لـ”العرب” أنه تم الانتهاء من تركيب 4 توربينات فقط من إجمالي 13 توربينا، وتأمل إثيوبيا في تركيب 3 توربينات بحلول ديسمبر المقبل، ويستغرق تركيب التوربينات الستة الباقية عاما على الأقل، وبالتالى لا بد أن ينتظر السد لصيف العام المقبل لاكتمال التخزين، ويصعب القول باكتمال بناء السد وتشغيل جميع التوربينات مع نهاية العام الحالي.
ويتفق متابعون على أن الجدل الحالي في القاهرة يخدم أديس أبابا التي تمضي في خطط ملء وتشغيل السد بالطريقة التي تريدها، وتضع الضغوطات على الجانب المصري، مع تعالي أصوات تطالب بتدخل خشن لمواجهة مخاطر قد تتعرض لها البلاد قريبا، ما يصطحب تأثيرات سياسية واقتصادية في سنوات الجفاف الطويلة.
وذكر عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية السفير صلاح حليمة أن استكمال بناء سد النهضة أمر غير مستغرب، وأن المشكلة تتمثل في الملء والتشغيل دون اتفاق قانوني مُلزم مثلما نص عليه اتفاق المبادئ بين الدول الثلاث، وما حوته تفاهمات مصرية إثيوبية سابقا، وما طالب به مجلس الأمن، ما يشير إلى أن أديس أبابا تنتهك القوانين والاتفاقيات الدولية بما يفرض المواجهة حال وجود خطر جسيم يهدد الدولة.
وأشار في تصريح لـ”العرب” إلى أن الأخطار الجسيمة لم تحدث بعد، لكنْ هناك أضرار وقعت وتم احتواؤها عبر خطط تحلية المياه، والاستعانة بمخزون السد العالي، وأن مصر تسعى لعدم الوصول إلى نقطة تفجير الموقف والصدام المباشر، وتؤكد على أهمية الوصول إلى اتفاق يخدم مصالح الدول الثلاث.
أما عن أخطار انهيار السد فما زالت قائمة، الأمر الذي يفرض تدخلا دوليا للتأكد من سلامته، لأن ذلك من شأنه تدمير أجزاء كبيرة من السودان، علاوة على أن سنوات الفيضان أو الشح ستكون كارثية أيضا على مصر.
وقال إن مصر سئمت من الدخول في مفاوضات ليست قائمة على النوايا الحسنة، ولم تكن هناك وساطات فاعلة، مع ذلك لا توجد ممانعات للدخول في مباحثات محددة وواضحة عبر إرادة دولية قوية لحل المشكلة، والبديل هو التوجه مرة أخرى إلى مجلس الأمن أملا في التحرك وفقَا للمادتين 34 أو 36 من ميثاقه، أو الفصل السادس ونهاية الفصل السابع، وفي تلك الحالة سيكون هناك عدوان على دولة من جانب دولة أخرى.
وجمدت الجهود الدبلوماسية منذ ديسمبر الماضي بعد الإعلان عن فشل جولات التفاوض بين الدول الثلاث (مصر وإثيوبيا والسودان)، وهو ما يجري توظيفه سياسيا في القاهرة للضغط على الحكومة من أجل التحرك للتعامل مع الخطر الراهن.
وتواجه الحكومة المصرية تعقيدات عديدة في هذا الملف، لأن الاستغراق في المزيد من المفاوضات لم يحقق اختراقا منذ حوالي 13 عاما، وفشل خيار اللجوء إلى مجلس الأمن والمنظمات الإقليمية، وتبدو الأدوات الخشنة غير مواتية في ظل صراعات تعج بها المنطقة، وتأكيد مصر على عدم اللجوء إلى الخيارات العسكرية.
الشرق الاوسط
المصدر: صحيفة الراكوبة