في ليلة تأتي لتضاف إلى سجل من المواقف المؤلمة، يعود نجم ريال مدريد، فينيسيوس جونيور، ليجد نفسه في قلب عاصفة من الجدل والعنصرية، حتى بعد تسجيله هدفاً رائعاً في مباراة دوري أبطال أوروبا ضد بنفيكا. هذه الحادثة، التي تزامنت مع مزاعم بالإساءات العنصرية، تلقي بظلالها مجدداً على موهبة برازيلية استثنائية، وتطرح تساؤلات حول بيئة كرة القدم ومدى تفاعلها مع قضايا التعصب.

وفقاً لشبكة “The Athletic”، كان فينيسيوس جونيور، بعد نحو نصف ساعة من صافرة النهاية، قد أنهى استحمامه وارتدى ملابسه وغادر غرفة ملابس ريال مدريد متجهاً إلى الحافلة، حقيبة السفر في يده اليمنى والهاتف في اليسرى، وعبء ثقيل يثقل كتفيه. لم يكن اللاعب البالغ من العمر 25 عاماً في مزاج يسمح بالبقاء أو تبادل الكلمات عقب ليلة بدت أقسى من مجرد مباراة كرة قدم.

فينيسيوس جونيور: موهبة تحت وابل من التعصب

ظهر فينيسيوس جونيور في تلك الليلة أصغر من عمره، وأقل حضوراً من صورته كنجم عالمي، أقرب إلى شاب أثقلته التجارب القاسية أكثر من كونه مهاجماً يحتفل بانتصار أوروبي. موهبة استثنائية داخل الملعب، لكنها كثيراً ما تجد نفسها في مواجهة أسوأ أشكال التعصب خارج خطوط اللعب. كانت هذه الحادثة في لشبونة فصلاً جديداً في مسيرة نجم ريال مدريد الذي يتعرض بشكل متكرر لإساءات عنصرية.

كان فينيسيوس قد حسم ذهاب الملحق المؤهل إلى دور الـ16 من دوري أبطال أوروبا في لشبونة بهدف رائع، غير أن جمال تلك اللحظة سرعان ما تلاشى أمام ما تلاها من مشاهد قاسية. فقد انهالت المقذوفات نحوه أثناء احتفاله أمام جماهير بنفيكا، ثم تقدّم باتهام تعرّضه لإساءة عنصرية من أحد لاعبي الفريق البرتغالي؛ ما دفع الحكم الفرنسي فرنسوا ليتكسييه إلى إيقاف اللعب لمدة 10 دقائق. أعقب ذلك سيل من صيحات الاستهجان والعداء من المدرجات حتى نهاية فوز ريال مدريد 1 – 0، قبل أن تبدأ حرب تصريحات متبادلة في أعقاب اللقاء.

روايات متضاربة وردود أفعال متباينة

في أعقاب المباراة، أدلى مدرب بنفيكا، جوزيه مورينيو، بتصريحات لـ “برايم فيديو” قائلاً: “هناك أمر غير طبيعي؛ لأن هذا يحدث في كل ملعب يلعب فيه فينيسيوس. دائماً يحدث شيء”. وعلى الرغم من إقراره لاحقاً بعدم قدرته على الجزم بصحة رواية أي من الطرفين، فإن تصريحاته حملت إيحاءً بأن اللاعب ربما يساهم في استفزاز الجماهير. وأشار مورينيو إلى أن فينيسيوس كان يمكنه تفادي التصعيد لو أظهر “احتراماً أكبر” بدل الاحتفال أمام زاوية الركنية. ولم يتطرق المدرب البرتغالي إلى المقذوفات التي استهدفت حافلة ريال مدريد قبل المباراة، أو إلى الأجسام التي ألقيت على اللاعب، أو إلى الهتافات التي وصفها فينيسيوس بأنها عنصرية، بل ركز على سلوك اللاعب الاحتفالي.

في المقابل، نفى اللاعب المتهم، جيانلوكا بريستياني، الاتهامات عبر حسابه في “إنستغرام”، قائلاً إنه لم يوجّه أي عبارات عنصرية، وإن فينيسيوس “أخطأ في تفسير ما اعتقد أنه سمعه”. وأكد أنه لم يكن يوماً عنصرياً تجاه أي شخص، معرباً عن أسفه للتهديدات التي قال إنه تلقاها. في هذه الأثناء، أصر كيليان مبابي على صحة رواية زميله، مشيراً إلى أن لاعب بنفيكا “وضع قميصه على فمه وكرر إشارة عنصرية خمس مرات”، وأضاف أن لاعبين آخرين سمعوا ما قيل.

وردّ بنفيكا بعد أكثر من أربع ساعات على نهاية المباراة بنشر مقطع فيديو عبر منصة “إكس” من زاوية خلفية للحادثة، مؤكداً أن المسافة الظاهرة تُظهر أن لاعبي ريال مدريد “لم يكن بمقدورهم سماع ما زعموا أنهم سمعوه”. وفي ظل هذه التضاربات، يُتوقع أن يفتح الاتحاد الأوروبي لكرة القدم تحقيقاً رسمياً فور تسلمه تقرير الحكم، الذي بادر إلى إيقاف المباراة مباشرة بعد إشارة فينيسيوس إلى تعرضه للإساءة. تبادل لاعبو الفريقين وأجهزتهما الفنية النقاشات الحادة على خط التماس، في حين بدا أن اللاعب البرازيلي قد لا يكمل اللقاء قبل أن يقرر الاستمرار.

الأثر النفسي والخطوات المستقبلية

لطالما صرّح فينيسيوس جونيور بأنه يفضّل الرد داخل الملعب، قائلاً: “لست ضحية للعنصرية، بل معذّب للعنصريين”. وبصرف النظر عن صحة الاتهامات أو وقوع سوء فهم كما يقول الطرف البرتغالي، فإن ما حدث بدا وكأنه أشعل حافزه لبقية المباراة، مما أدى إلى تسجيله هدفاً رائعاً. لكن الواقع يشير إلى أن تكرار هذه المواقف مرهق نفسياً. ففي مارس (آذار) 2024، قال اللاعب إنه يشعر بحزن متزايد ورغبة أقل في اللعب، مضيفاً أنه لن يترك النادي؛ حتى لا يمنح العنصريين ما يريدون.

في إسبانيا، تراجعت الحوادث نسبياً بعد تحركات قضائية أعقبت سنوات من الانتقادات. وقد صدرت العام الماضي أحكام بالسجن مع وقف التنفيذ تراوحت بين 14 و22 شهراً بحق أربعة أشخاص بعد تعليق دمية ترتدي قميص فينيسيوس على جسر قبل مباراة في كأس الملك في يناير (كانون الثاني) 2023. ومع ذلك، لا تزال الهتافات العدائية تلاحقه في ملاعب عدة، من برشلونة وأتلتيكو مدريد إلى مايوركا وفالنسيا وإشبيلية وخيتافي، والآن لشبونة. وفي بيانه عبر “إنستغرام”، وصف فينيسيوس العنصريين بأنهم “جبناء” يخفون أفواههم لإظهار ضعفهم، مشيراً إلى أن بعضهم يتمتع بحماية من جهات يُفترض أن تعاقب مثل هذه السلوكيات.

اللافت في حديثه، أنه قال إن “ما حدث اليوم ليس مأساة في حياتي أو حياة عائلتي”، وكأنه يتعامل مع الأمر بوصفه واقعاً متكرراً. هدفه في لشبونة كان مثالاً على مهارته المعتادة؛ انطلاقة من الجهة اليسرى، مراوغة للمدافع، تسديدة مقوسة استقرت في الزاوية البعيدة. غير أن جمال الهدف تلاشى أمام ما وصفه زميله ترينت ألكسندر- أرنولد بأنه “وصمة عار على كرة القدم”.

بعيداً عن الجدل حول الواقعة نفسها، فإن ليلة لشبونة بدت ثقيلة على اللاعب. وبين الاتهامات والمقذوفات والهتافات والبيانات المتبادلة، طُرح السؤال المعتاد: هل جلب فينيسيوس ذلك على نفسه؟ وهو سؤال يرى كثيرون أنه يتجاهل جوهر المشكلة. عندما غادر غرفة الملابس متجهاً إلى الحافلة، لم يكن فينيسيوس يبدو نجماً يحتفل بهدف حاسم، بل كشاب يسعى فقط إلى ممارسة كرة القدم والاستمتاع بها، قبل أن يجد نفسه مجدداً مضطراً إلى تجاوز ليلة أخرى بطعمٍ مُر، والبحث عن القوة للاستمرار. سيعمل الاتحاد الأوروبي لكرة القدم على معالجة هذه القضية، ومن المتوقع أن تكون هناك قرارات حول الإجراءات التأديبية خلال الفترة القادمة، مع استمرار ترقب ردود الأفعال المجتمعية.

شاركها.