في ظل تحديات الإصابات وتوفر العناصر المحدودة، يواصل مانشستر سيتي بقيادة مدربه بيب غوارديولا إثبات مرونته التكتيكية وقدرته على الحفاظ على فاعلية هجومية استثنائية. أحد أبرز ملامح هجوم الفريق هذا الموسم هو قدرته على التكيف والتحول بين الأساليب الهجومية المختلفة، سواء باللعب الضيق أو العريض، بما يتناسب مع خطط المنافسين والإمكانيات المتاحة.

غوارديولا بين الإصابات والابتكار: كيف حافظ على فاعلية هجوم سيتي؟

أظهر مانشستر سيتي قدرة ملحوظة على التكيف مع غياب لاعبين أساسيين، خاصة على الأطراف، مما أجبر المدرب بيب غوارديولا على ابتكار حلول هجومية جديدة. ففي ظل استمرار إصابات لاعبين مثل جيريمي دوكو وسافينيو، وعودة لاعبين آخرين يفضلون اللعب في العمق بعد كأس الأمم الأفريقية، كان على غوارديولا تعديل خططه الهجومية للحفاظ على فعالية الفريق.

قال غوارديولا في تصريح له هذا الشهر، قبل مواجهة سالفورد سيتي في كأس الاتحاد الإنجليزي: “نتأقلم مع جودة اللاعبين المتاحين لدينا. نملك جناحاً طبيعياً واحداً حالياً مع أنطوان سيمينيو؛ لذلك عدّلتُ النظام ليكون اللاعبون في أفضل حال”. هذا التصريح يسلط الضوء على النهج المرن الذي يتبعه المدرب الإسباني، والذي يعتمد على استغلال إمكانيات لاعبيه بالشكل الأمثل.

منذ الفوز على وولفرهامبتون الشهر الماضي، اعتمد سيتي بشكل كبير على الرسم التكتيكي 4-2-2-2. في هذا النظام، يتقدم اثنان من الثلاثي الهجومي المتمثل في إيرلينغ هالاند، عمر مرموش، وأنطوان سيمينيو، بينما يتمركز ثنائي في الوسط الهجومي خلفهما. هذه المرونة الهجومية تتيح لسيمينيو، على وجه الخصوص، التحرك في أحد مركزي “10” خلف مرموش وهالاند، وهو رسم سبق للفريق استخدامه في النصف الثاني من الموسم الماضي.

لا تختلف الحلول الهجومية عن تلك التي كان يعتمدها الفريق في خطة 4-3-3 الضيقة، لكن الاختلاف في نوعية اللاعبين ومواقع انطلاقهم يغير من طريقة تطبيق الأفكار الهجومية. يواصل فريق غوارديولا البحث المستمر عن التمريرات البينية لإرباك تمركز المنافسين، وهو ما ظهر بوضوح في العديد من الأهداف المسجلة. إحدى الأمثلة البارزة كانت في هدف سيمينيو أمام وولفرهامبتون، حيث استغل الفريق المساحات الشاغرة خلف خطوط المنافس بفضل التحركات الذكية.

أمثلة على المرونة الهجومية لسيتي

في مباراة وولفرهامبتون، تمركز ريان شرقي وتيجاني رايندرز كلاعبَيْ وسط هجوميين خلف مرموش وسيمينيو. أدت حركة برناردو سيلفا بين الخطوط إلى جذب انتباه لاعب خط وسط وولفرهامبتون، آندريه، مما خلق تفوقاً عددياً في منطقة الوسط. هذه الظروف سمحت لرودري بتمرير الكرة إلى شرقي في مساحة خالية، واستغل سيمينيو التمريرة بلمسة أولى ذكية مسجلاً الهدف الثاني. هذا التكتيك أبرز كيف يمكن لسيتي خلق فرص من خلال التحركات المنسقة بين اللاعبين.

في مباراة نيوكاسل في نصف نهائي كأس رابطة الأندية الإنجليزية، جاء الاختراق عبر تناغم بينلاعب الوسط الهجومي والمهاجم لاستهداف المساحة خلف الدفاع. عندما هبط مرموش لاستلام الكرة، دفع مالك ثياو للتقدم، وفي الوقت نفسه، لم يلتزم سفين بوتمان بمسؤولية مراقبة رايندرز، مما أتاح لمرموش ورايندرز التمرير بين المدافعين. اندفاع سيمينيو أجبر دان بيرن على محاولة تطبيق مصيدة التسلل، لكن تأخره أدى إلى ارتداد الكرة من مرموش ودخولها الشباك.

خلال مواجهة غلطة سراي في دوري أبطال أوروبا، استخدم الفريق المهاجم كطُعم لفتح المساحات. شغل مرموش الظهير الأيمن رولاند سالاي، وجذبه للأمام، مما منح جيريمي دوكو مساحة للانطلاق خلف الدفاع. مع تمركز هالاند وشرقي لدعم الهجمة، اندفع دافينسون سانشيز لمواجهة دوكو، بينما تراجع إلكاي غوندوغان لدعم الخط الخلفي. هذا التحرك خلق فراغاً في منطقة الجزاء استغله شرقي ليسجل الهدف الثاني، مؤكداً على الاستراتيجية المعتمدة على استغلال أي ثغرة دفاعية.

لم تتوقف هذه الحلول عند هذا الحد، ففي الفوز على نيوكاسل السبت الماضي، حسم نيكو أوريلي اللقاء برأسية بعد تحرك متأخر بين الظهير الأيمن وقلب الدفاع، مستفيداً من تموضع دفاعي غير مثالي إثر عرضية هالاند نحو القائم البعيد. تظهر هذه اللقطات كيف يمكن للاعبين خلق فرص التهديف حتى من خلال تحركات غير متوقعة.

تُعد هذه التركيبات التمريرية المركزية والتحركات المتبادلة سمات مميزة لمانشستر سيتي، لكن اللافت هو سرعة تكيف الفريق مع خصائص اللاعبين المتاحين، مع الحفاظ على نفس المستوى من الفاعلية الهجومية. هذا يعكس عمق الفكر التكتيكي لدى غوارديولا وقدرته على تطوير أداء لاعبيه.

يبقى السؤال المطروح هو ما إذا كان الرسم التكتيكي 4-2-2-2 سيستمر في الفترة القادمة. أجاب غوارديولا على هذا السؤال في المؤتمر الصحفي يوم الجمعة الماضي قائلاً: “سنرى عندما يعود الأجنحة. حالياً نملك جناحاً واحداً تقريباً؛ سافيو عاد جزئياً”. هذا يعني أن التعديلات قد تستمر مع عودة اللاعبين المصابين بشكل كامل.

في النهاية، يتضح أن شكل مانشستر سيتي الهجومي يظل مرتبطاً بعاملين رئيسيين: طبيعة المنافس، ونوعية اللاعبين المتاحين. المدرب بيب غوارديولا يثبت مجدداً أن مرونته التكتيكية لا تقل أهمية عن موهبة لاعبيه في سعيه للحفاظ على زخم الفريق في مختلف المسابقات، لا سيما في المنافسات الكبرى مثل الدوري الإنجليزي الممتاز ودوري أبطال أوروبا.

شاركها.