ناقد مغربي يفحص أداء الممثل هوبكنز .. قوي في الشر ضعيف في الخير

أشاد الناقد محمد بنعزيز بالقوة الأدائية للممثل أنتوني هوبنكز، موردا أنها تكمن في نظراته وفي طريقة نطقه العدوانية وفي حركات الوجه التي تزيد معنى الكلمات التي تنطق.
واستحضر بنعزيز الأفلام والأعمال التي ظهر فيها أنتوني هوبكنز، والتي تنوعت بين بروزه قاتلا محترفا وآكِلا للحوم البشر ورئيسا أمريكيا ومخرجا إنجليزيا ومشعوذا إغريقيا وبابا ألمانيا، وسيظهر مستقبلا محللا نفسيا نمساويا.
ووصف الناقد المغربي أنتوني هوبكنز بـ”الممثل القادر على التحول والتجول في سجل درجات وتلاوين نفسيات مختلفة تبعا للتطور الدرامي”.
وهذا نص المقال
كيف يختار الناقد الفيلم الذي سيشاهده أمام فيض أفلام منصات المشاهدة؟ ثم كيف ينتقي الفيلم الذي يستحق الكتابة عنه؟
هذه عملية اختيار فنية مرهقة وقد يمر يوم أو شهر كامل في استعراض الأفلام دون اكتشاف فيلم حقيقي، في هذه الحالة يُمكن تتبع ممثل مفضّل أن يكون مؤشرا ودليلا للاختيار حين تتوفر أفلام الممثل طيلة نصف قرن، وخاصة تلك الأفلام المعلومة للمشاهدين، مما يمكنهم من فحص ادعاءات الناقد في ما يكتبه عن أفلام ذلك الممثل.
ظهر هوبكنز ساحرا يحاول إقناع سائح ديني أمريكي بقدراته الخارقة (فيلم RITE 2011 للمخرج مايكل هافستروم). سائح فرويدي شكاك يحج إلى الفاتيكان في روما ليكتشف ضرورة الله. حين يتأكد من وجود الجن يصدق. مستحيل أن يكون الجن موجودا دون الله.
وظهر الممثل كاهنا دوغمائيا على حافة النازية في (فيلم البابوان 2019 إخراج فرناندو ميريليس) حيث يجري التفاوض في كنيسة فيها جداريات ولوحات من السرد الديني تخبر عن عظمة النهضة البصرية الإيطالية في القرن الخامس عشر.
يملك هوبكنز كاريزما فنية وسياسية، وهو ما أثبته وهو يؤدي دور ملازم في البحرية يقود سفينة صغيرة إلى العالم الجديد في فيلم “the bounty” (1984)، للمخرج روجر دونالدسون. سفينة تتحمل العواصف والجوع بفضل الانضباط. يمكن للمعرفة والخبرة لدى الزعيم أن تنقذ زورقا يطبق فيه حكم القانون. رغم السيطرة على الطبيعة، يمكن للأهواء البشرية في الزعامة والفوضى وحكم الرعاع أن تدمر سفينة كبيرة عليها موارد هائلة. كل هذا يتحطم بأيدي أصحابه وهم يتأملونه. لا شيء تجريديا، بل السرد حسي ومجسم. الأهواء والظلم تجلب الخراب. القانون يصنع الخير والغريزة تصنع الشر. هكذا تتسلل السياسة إلى أداء الممثل وإلى عروق السيناريو وهي تضخ العمق في الفيلم ككل، باعتباره سينما ودرسا في القيادة.
كان هوبكنز مجرما عنيفا في “صمت الحملان” (1992، إخراج جونثان ديم)، وصار مجرما أنيقا خبيرا في أدب القرن الثالث عشر في فيلم “هانيبال” (2001، لريدلي سكوت). مجرم جمع بين المعرفة العميقة والذوق الفني الرفيع… يقارن بين خيانة يهوذا وإعدام زعيم من سلالة الضابط الذي يطارد المجرم… مجرم يشتهي ويرسم الضابطة التي تطارده… يرسم ساقها ويكتب لها عن الرسام القتيل كرافجيو… ويعبر عن تقديره لجمال النساء بدءا من تحت، من القدمين.
نتابع مواجهة بين الطالبة البوليسية ذات القدمين الجميلتين والمجرم السجين والمغرور وكأن القضبان التي تحدّه غير موجودة. يتشممها المجرم عن بُعد فينكشف له ضعفها. تشمّمها وفحصها وحللها مبرزا أصلها المتواضع، خمن من رائحتها أنها بنت عامل مناجم. هكذا تنكشف المحققة الشابة الطموحة في عالم مجانين قتلة ذوي نزعة كلبية.
لدى هانيبال طبع خفاشي ويحب مص الدم… له أصل نبيل في جينالوجيا الحكاية، فأصْله أمير أرستوقراطي يرجع إلى الكونت دراكولا.
نجح الفيلم.
يكشف نجاحُ أيّ فيلم طبيعة الجمهور أكثر مما يكشف مواهبَ صانعي الفيلم.
ما مصدر الإعجاب به؟
هذا بطل وغد بألف وجه.
يحب المتفرجون حكايات الأوغاد الغامضين الذين تتكشّف شخصياتهم تدريجيا. هكذا تم بناء الشخصية بربطها بأهواء العقل الجمْعي لدى المتفرجين.
إنه شر بشري متعمّد مع سبق الإصرار.
يقطن المجرم المثقف الارستقراطي في البندقية العريقة، يكره المدن حديثة النعمة مثل لاس فيغاس… رجل أنيق مثقف يعشق الفن ويحاضر عن مؤسس الأدب الإيطالي دانتي أليغري. الممثل مقنع في هذا الفيلم بشكل رهيب. يشعر المشاهد بأن من يتكلم هو الرجل أنتوني هوبكنز وليس الممثل.
مجرم يقتبس لوحات وليام بليك. هذا تراث فني مفيد لتوفير مفتاح الشخصية التي سيؤديها الممثل بعد أن يفهمها ويتحسس وسائلها في التعبير عن نفسها. هوبكنز ممثل يستبعد كل ما هو سطحي في الدور فيتعمق فيه من خلال الإيماءات والمهارات غير اللفظية. التمثيل بالجسد وليس باللسان.
تتكرر في أفلام هوبكنز آراءه للدور الذي يعشقه. دور المثقف ناقد الفن. هنا في فيلم “Shadowlands” (1994، للمخرج ريشارد أتنبروغ) عن الأدب الانجليزي الذي يعتقد رواده أن كل سكان أمريكا رعاة بقر.
يجري في الفيلم جدل بين الناقد الخبير والمعجبة: ما مصدر الإلهام، هل المطالعة أم التجربة أم الألم؟ هل الألم هدف أم وسيلة للإبداع؟
يجيب بوضوح.
هناك فوضى في غرفة الشاعر، كتبه مبعثرة، حياته مبعثرة، لكن لا مشكلة طالما أنه لا فوضى في جمجمته لأنه يعرف الأسئلة الأساسية التي يتعين عليه أن يجيب عنها.
تكتشف المعجبة عجز الأدباء عن التعبير عن الحب حين يقعون فيه. تقع المصائب على المثقف العاشق قبل الأوان. هذه هي التراجيديا التي لا يستحقها.
يؤدي هوبكنز دور مثقف وأستاذ جامعي وعاشق للفن التشكيلي في أفلام كثيرة، هكذا تقع الجريمة على خلفية فنية تشكيلية. في فيلمي “هانيبال” و”التنين الأحمر” (2002، إخراج بريت راتنر) صارت اللوحات والوجه المشوه موضوعا تخييليا رئيسيا للكاميرا… يقول المجرم (أنتوني هوبكنز) في فيلم “التنين الأحمر”: “بدون مخيلة نصبح مثل كل هؤلاء المغفلين البؤساء من حولنا”.
أين تكمن قوة هذا الممثل؟ في فمه أم في جسده؟
تكمن قوته الأدائية في تناسق الاثنين، تكمن في نظراته وفي طريقة نطقه العدوانية وفي حركات الوجه التي تزيد معنى الكلمات التي تنطق… تعطي النظرة الباردة قوة نووية للكلمات العدوانية… يتأكد هذا في سلوك الممثل في أفلام آكل لحم البشر، في فيلم “هانيبال”، حين يحلم المتفرج بهذا فهو معجب ببطل غاية في التحضّر، وعيبه أنه دموي.
ظهر أنتوني هوبكنز قاتلا محترفا وآكِلا للحوم البشر ورئيسا أمريكيا ومخرجا إنجليزيا ومشعوذا إغريقيا وبابا ألمانيا، وسيظهر مستقبلا محللا نفسيا نمساويا. سيظهر أنتوني هوبكنز خلال العام القادم في أفلام أكثر من تلك التي ظهر فيها في العام السابق. هذا منجز فني هائل بالنسبة لممثل في الثمانين من عمره. ممثل قادر على التحول والتجول في سجل درجات وتلاوين نفسيات مختلفة تبعا للتطور الدرامي. ممثل كلما زاد سنه زادت جاذبيته. ممثل تتعدد أدواره ويحافظ على قوة أدائه، والملاحظ أن هذا الممثل قوي في أدوار الشر، فإن دخل دورَ الخير ضعف قليلا.
المصدر: هسبريس